【中阿社区】【旅游健康】【数字事实】【招商引资】【企业服务】【战略.研究】【投资委员会】【专题活动】【文化.教育】【经贸投资】【政治事务】【快讯】【首 页】
【الرئيسية】【أخبار واحداث】【شؤون سياسية】【تجارة وقتصاد】【ثقافة وتعليم.】【أنشطة خاصة】【مجلس التنمية】【ابحاث استراتيجية】【مؤسسات وخدمات】【فرص وعروض】【ارقام و حقائق】【فيديو وصور】【الجالية العربية】
当前位置: 首页>دراسات استراتيجية>正文

الحرب العراقية والولايات المتحدة

Date: 28 \ 10 \ 2003

الحرب العراقية والولايات المتحدة

محاضرة القاها السيد/ تشيان تشي تشان
نائب رئيس مجلس الدولة الصيني السابق ووزير الخارجية الاسبق
فى معهد العــلـوم الدبلوماسية

1972 ولغاية 1982 عمل كمستشار في السفارة الصينية لدى الاتحاد السوفياتي وكسفير لدى غينا ومن ثم كرئيس للدائرة الاعلامية التابعة للخارجية الصينية . ومن عام 1982 وحتى عام 1988 عمل كنائب لوزير الخارجية . 1988 ولغاية 1998 عمل كوزير للخارجية ونائب لرئيس الوزراء وعضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني .. 1998 – 2003 عمل كنائب لرئيس الوزراء .. في كانون الثاني 2000 تسلم مهام رئاسة معهد العلاقات الدولية التابع لجامعة بكين .. السيد تشيان تشي تشان ، شخصية صينية معروفة ، ظل طوال العقدين الماضيين مسؤولا عن ملف العلاقات الشؤون الخارجية ..

" ... ترى الولايا ت المتحدة ان العالم قد دخل بعد حادثة " 9.11 " الى عهد جديد " عهد ما بعــــــد بعد الحرب الباردة " ، مما يدل على ان التهديدات الارهابية قد فرضت نفسها على الولايات المتحدة .

على ما اذكر ، كنت فى مثل هذا الوقت من العام الماضى قد القيت محاضرة تحت عنوان " العلاقات الاميركية - الصينية بعد حادثة 9.11 " . و قد مضى على ذلك سنة كاملة، الوقت يجرى بكل سرعة . ومن الانصاف القول ان الاوضاع الدولية شهدت خلال هذه السنة مستجدات معقدة اهمها الحرب العراقية التى كانت الشغل الشاغل لدى الشارع . واود ان اتطرق اليوم الى موضوع : " الحرب العراقية والولايات المتحدة " ، حيث سألقي الضوء على هذه الحرب وتأثيراتها على التوجهات الاستراتيجية الامريكية، انطلاقا من خلفية ارحب للوضع الدولى .

ترى الولايات المتحدة ان العالم قد دخل بعد حادثة 9.11 الى عهد جديد يمكن تسميته بـ" عهد ما بعد بعد الحرب الباردة " . كانت اهم السمات للحرب الباردة هى المواجهة و المجابهة بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتى . و اما بعد تفكك الاخير فتلاشى معه تهديده للولايات المتحدة مما يعنى ان العالم قد دخل الى "عهد ما بعد الحرب الباردة ". واما عهدنا هذا الذي يتسم بمواجهة الولايات المتحدة لتهديدات ارهابية فعلية ، التي دفعتها الى احداث تغييرات كبيرة على اولويات ومرتكزات استراتيجيتها العالمية الشاملة ، حيث ركزت مهامها الاساسية على ازالة التهديدات الارهابية للاراضي الامريكية .

ان ثلاثية تعديل الاستراتيجية الامنية التي ظلت تعزفها خلال السنتين الماضيتين " التفاعل -- التخمير -- الخروج " باستراتيجية مكافحة الارهاب --- " المبادرة في الضرب " ، تم في النهاية تحديد شكلها واقرارها.

تنقسم عملية التعديل التى مرت بها الاستراتيجية الامريكية خلال السنتين الماضيتين الى ثلاث مراحل : الاولى ، مرحلة التفاعل ، وتتراوح ما بين وقوع حادثة 9.11 حتى اوائل عام 2002 . ونظرا لان الولايات المتحدة تتعرض ولاول مرة منذ 200 سنة و نيف لمثل هذا الهجوم المفاجئ داخل اراضيها كان رد فعــلها فوريا وعنيفا ، حيث شددت ، من جهة ، اجراءات الدفاع داخليا ، وتخمير فكرة استحداث وزارة دفاع داخلية ، واعادت تنظيم مكتب التحقيقات الفدرالى وكالة الاستخبارات المركزية ، ومن جهة اخرى ، جندت كل ما لديها من موارد وارصدة دبلوماسية وسخرتها فى تنظيم وانشاء تحالف دولى ضد الارهاب ، بل وبادرت في شن الحرب الافغانية بعد اقل من شهر على حادثة 9.11 . وعلى العموم عاشت الولايات المتحدة هذه المرحلة في تعزيز دفاعها والتفاعل مع ( الحادثة ).

اما المرحلة الثانية ، مرحلة التخمر التي بدأت في 29 يناير 2002 ، يوم توجيه الرئيس الامريكى رسالته السنوية عن احوال البلاد للشعب الامريكي ، وانتهت مع خروج استراتيجية مكافحة الارهاب في فبراير 2003 . حيث قامت الولايات المتحدة في هذه الفترة التي امتدت لاكثر من عام بمراجعة معمقة لاستراتيجيتها العسكرية العالمية فخرجت الى النور على التوالى " استراتيجية ضبط المخدرات " و " استراتيجية أمن ارض الوطن " و" استراتيجية أمن الدولة " واستراتيجية الوقاية من اسلحة الدمار الشامل " و " استراتيجية أمن الشبكات الالكترونية " و "استراتيجية حماية المرافق الاساسية و الممتلكات الثابتة الهامة " ، و " استراتيجية مكافحة الارهاب" وغيرها من الاستراتيجيات . و فى هذه الفترة ثمة خطابان هامان جسدا مدى التغييرات العميقة التى طرأت على الاستراتيجية الامريكية : الاول ، رسالة الرئيس بوش السنوية الموجهة للشعب في يناير 2002 ، حيث اعلن و لاول مرة عما ما يسمى بـ" محور الشر " المؤلف من سبع دول ؛ والثاني ، ما طرحه الرئيس بوش في الكلمة التي القاها في الكلية العسكرية الامريكية في الفاتح من حزيران العام نفسه : استراتيجية" المبادرة بالضرب " . وهاذان الحدثان يشكلان اساس وجوهر سلسلة الاجرءات الامريكية .

وعند تحليلنا للاستراتيجية الاميركية الجديدة ، هناك بعض النقاط الجديرة بالاهتمام :

1 ) تعتبر الولايات المتحدة الهجوم المفاجئ الذى شنه الارهابيون نوعا من الاعمال الحربية الذي يجب مواجهته بوسائل عسكرية وليس بوسائل تقليدية ادارارية او قضائية ؛ وكون الولايات المتحدة لم تعد تنظر الى الاعمال الارهابية بمجرد قضية جنائية تتحرى عن مرتكبيها ، ادى الى غزو العقلية الحربية للسياسة الخارجية الامريكية بشكل اشد ، وعادت الوسائل العسكرية الاساس في معالجة المسائل المطروحة ، وازداد تأثير وزارة الدفاع في صنع السياسة الخرجية بشكل واضح .

2 ) طرأ بعض التغير على اهداف عمليات مكافحة الارهاب في الاستراتيجية الاميركية . لقد منيت منظمة " القاعدة " بعد انتهاء الحرب الافغانية بخسائر فادحة ارغمتها على الانتشار في مجموعات صغيرة يصعب على الولايات المتحدة الكشف عن اهداف لتركيز ضرباتها عليها ، فتعود لتحدد الوقاية من المنظمات الارهابية والبحث عن اسلحة الدمار الشامل كاهداف رئيسية لها . وقد اعلنت الولايات المتحدة فى تقرير استراتيجية ألامن القومي بأن " الدول اللئيمة " والارهاب هما حليفان طبيعيان لبعضهما البعض ، حيث تعمل الولايات المتحدة على حظر نقل الاسلحة الاشد فتكا من تلك الدول الى الاعداء الاشد خطورة ، لذا تضع الولايات المتحدة مكافحة الارهاب وحظر انتشار الاسلحة و تأديب ما يسمى بـ" الدول الليئمة " فى سلة واحدة ، كما وتنادي باعادة تكوين منطقة الشرق الاوسط .

3 ) جاء فى الاستراتيجية الامريكية وجهة نظر تقول بانه من السهل ان تكون الدول الضعيفة او الفاشلة اهدافا تستغلها المنظمات الارهابية ، وبناء عليه تنظر الى مناطق الشرق الاوسط ، وآسيا الوسطى، و جنوب شرقى آسيا مع شمال شرقيها كحلقات ضعيفة هشة في مكافحة الارهاب . فتشديد التحكم والسيطرة على هذه المناطق ، يحتم على امريكا القيام بتعديل على هياكل قواها العسكرية ، وبتعديلات مشابهة على وضع انتشار قواتها العسكرية فيما وراء البحار . وبذلك تقوم امريكا تحت حجة مكافحة الارهاب بتشديد تأثيرها وسيطرتها على هذه المناطق . هذه هي المرحلة الثانية ، اي خروج سلسلة من اجراءات مكافحة الارهاب .

وان الحرب العراقية التى اندلعت فى اّذار العام الحالي دلت على ان استراتيجة الامن العسكري العالمية الجديدة للولايات المتحدة قد دخلت الى مرحلة التنفيذ والتطبيق ، وهي علامة الى بدء المرحلة الثالثة . ومنذ ان وضعت حرب الخليج اوزارها عام 1991 ظلت القضية العراقية عالقة دون ان تجد حلا نهائيا لها ، حيث ظلت الولايات المتحدة تنتهج على الدوام سياسة " احتواء العراق واسقاط صدام" ، وان ضرب العراق ظل احدى سياساتها الثابتة . وقد افادت صحيفة " فنجارو " الفرنسية الصادرة فى 18 ابريل من هذا العام بان بعض الشخصيات الامريكية التى تمثل نزعة المحافظة الجديدة سبق لها وان اخرجت الى العلن ، في وقت مبكر يعود الى سبتمر 2000 أى قبل مجيء ادارة بوش الى سدة الحكم ، خطة " العهد الامريكى الجديد " . وقد تضمنت هذه الخطة تصوراتها الخاصة بـ " ضرب العراق و اسقاط صدام " ، معتبرة ذلك الخطوة الاولى على طريق حفاظ الولايات المتحدة على ، وتعزيز مكانتها كقوة عظمى فى العالم . والجدير بالذكر ان اهتمام المجتمع الدولى الكبير بمكافحة الارهاب وبالتعاون في مجال حظر انتشار الاسلحة الذي ظهر بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر ، قد ساعد الولايات المتحدة على خلع هذه المسمار المتمثل في صدام حسين . لذا نجد انه وعلى الرغم من اجازة الامم المتحدة للقرار رقم 1441 الداعي الى مواصلة عملية التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل في العراق ، الا ان امريكا وابريطانيا لم تكفا عن حشد قواتهما الضخمة حول العراق ، مما يدل على ان الولايات المتحدة كانت عاقدة العزم ، ومنذ وقت مبكر ، على شن الحرب ضد العراق سواء بتفويض مجلس الامن او بعدمه .

ولوحظ ساعة اعلان بوش للحرب ضد العراق في العشرين من اّذار ، علقت خلفه صورتان فوتوغرافيتان احداهما تجمعه وا بنتيه، و الاخرى تجمعه وعقيلته و كلبه المدلل ، امل بوش من وراء ذلك التعبير عن مدى اهتمامه بالوئام العائلى واحترامه للطبيعة الانسانية ، تجاوبا مع ما تدعيه الولايات المتحدة من اهداف لتحرير الشعب العراقى، غير انه فى الاول من مايو استقل طائرة حربية وتوجه الى حاملة الطائرات " لينكين " العائدة من منطقة الخليج ليعلن من على متنها انتهاء الاعمال العسكرية الرئيسية في العراق ، ليعكس بذلك الخلفية الثانية للولايات المتحدة المتمثلة في الاصرار على اللجوء الى السلاح .

من الصعب استمالة الشعوب والدخول الى قلوبها عن طرق القوة و بالضربات العسكرية ، و من الاصعب اعادة تكوين المجتمعات بهذه الوسيلة ، و قد يكون دعاة التعصب الدينى هم على رأس المستفيدين من سقوط نظام صدام حسين .

اذا نظرنا الى الحرب العراقية من الزاوية العسكرية يمكن القول بأنها ناجحة نسبيا . وكانت الولايات المتحدة لم تلق فى هذه المرة الا اقل من ثلث القوة العسكرية التى كانت قد القت بها فى حرب الخليج السابقة ، حيث شنت القوات الامركية ، ومنذ الساعات الاولى ، هجوما بريا و زحفت قواتها بشكل سلس حتى دخلت بغداد فى بحر 21 يوما فقط ، غير ان الانتصار العسكرى لا يعنى الانتصار الحقيقى بكل معنى الكلمة . فاليوم تزداد تساؤلات المجتمع الدولي عن المبررات التي تتذرع بها الولايات المتحدة و بريطانيا في شن هذه الحرب . و امام احتدام هذه التساؤلات التى جاءت من جهات مختلفة ، تحدث رامسفيلد وزير الدفاع الامريكى بلغة جديدة حين قال : ان الادارة الامريكية لم تتلق بعد معلومات جديدة عن اسلحة الدمارالشامل التى تمتلكها العراق ، وانها تعمل على التحقق من التقارير الاستخباراتية برؤية جديدة . وهذا ما خلق مسألة جديدة . وقد جاء على لسانه ايضا فى يونيو / حزيران العام الماضى جملة " عدم وجود ادلة لا يعنى فى حد ذاته انه لم تكن ثمة ادلة " و هى اشبه الى حد كبير بالعبارات البهلوانية في اللغة الصينية . وترى مقالة نشرت في 22 يونيو / حزيران في " الواشنطن بوست " ان عدم العثور حتى اليوم على اسلحة دمار شامل في العراق يطفي غبارا على الانتصار العسكري الذي حققته امريكا ، لان وجود الاسلحة كان المبرر الامريكي لشن الحرب العراقية المبنية على نظرية " المبادرة في الضرب " ، مما ادى الى وقوع هذه النظرية في وضع خطير .

لقد مضت اربعة اشهر ونيف على اعلان حكومة بوش انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية في العراق ، الا ان الوضع العسكرى لم يهدأ بعد ، والولايات المتحدة لا تزال تواجه الكثير من المشاكل في المسألة العراقية منها : مصير صدام حسين الذي ما زال مبهما ، والمظاهرات ضد الولايات المتحدة التي لا تنقطع ، و الهجمات والغارات ضد القوات العسكرية الامريكية في ازدياد . فقد بلغ عدد القتلى من الجنود الامريكان منذ الاول من أيار / مايو الماضي اكثر من ذلك العدد الذي سقط خلال الحرب ذاتها ، كما فاق مجموع القتلى والجرحى فى هذه الحرب ما سقط في حرب الخليج 1991 ، وهذا ما دفع الولايات المتحدة الى دعوة الكثير من الدول لارسال جنودها للمساعدة على حفظ النظام في العراق . و لكن من الصعب جدا ان تتخلص الولايات المتحدة خلال فترة وجيزة من هذا المأزق الذي لا يمضي يوما فيه دون وقوع قتلى وجرحى في صفوف قواتها . وان دل ذلك على شئ فانه يدل على صعوبة الدخول الى قلوب الناس واقناعهم بالقوة العسكرية ، ومن الصعب اكثر اعادة تكوين مجتمع من المجتمعات بهذه الوسيلة .

و الجدير باالذكر ان 73 % من ابناء الشعب الامريكى الذين كانوا يؤيدون احتلال العراق فى شهر ابريل / نيسان قد هبطت لتصل الى 50 % . و على الرغم من ان هناك ثمة اوجه تشابه بين الحرب الافغانية و الحرب العراقية ، الا ان هناك نقطتان هامتان تميزهما عن بعضهما البعض : الاولى ، اختلاف ردود الفعل الدولية تجاههما ، حيث كان المجتمع الدولى يبدى مشاعر العطف والتأييد مع الولايات المتحدة في حربها ضد منظمة " القاعدة " وحكومة الطالبان بعد حادثة 9.11 ، كما وقامت بعض الدول آنذاك بارسال قوات لها للمشاركة في القوة المتعددة الجنسيات وقدمت معونات كبيرة لاعادة اعمار أفغاستان بعد الحرب . بينما الحرب العراقية وبسبب المعارضة الشديدة لاغلبية الدول والقوى المعارضة للحرب ، لم تفكر امريكا بالعقوبات الشاملة المفروضة على العراق منذ اكثر من عشر سنوات ، وما حققته لجنة التفتيش عن الاسلحة في العراق من تقدم ، وقامت بشن الحرب على العراق منفردة دون اي دليل ودون تخويل من مجلس الامن الدولي ، وهذا ما عكس الردود السلبية للمجتمع الدولي على هذه الحرب . بينما الثانية تكمن فى اختلاف الاهداف للحربين . حيث كان هدف الولايات المتحدة من حرب افغانستان واضحا نسبيا ، وهو القضاء على أسامة بن لادن و منظمة " القاعدة " واسقاط حكم الطالبان . فاسقاط حكم الطالبان ، لعب دورا في اعادة القيم الانسانية التقليدية والبنى الاجتماعية في افغانستان . الا ان اهداف الولايات المتحدة في الحرب العراقية فهي اكبر بكثير ، فعدى اسقاط حكم صدام حسين ، سعت الى اعادة تكوين العراق ليصبح دولة حرة قائمة على اساس النظام الديمقراطى وبعيدا عن التقاليد الاسلامية ، ولتجعل منه نموذجا للديمقراطية في العالم العربي ودول منطقة الشرق الاوسط . فمثل هذه الاهداف تعجز عن جذب واستقطاب الجماعات العراقية المعارضة . ذلك لان سلطة صدام حسين كانت دنيوية اصلا ، حيث كان يندر ان ترى فى الشارع العراقى من يلبس الجلابيب ، والنساء لا يرتدن العباءات والحجاب ، وعدد الطالبات في المدارس لا بأس به . والان وبعد سقوط نظام صدام حسين ، من الصعب على الولايات المتحدة ان تجد شخصية قيادية بديلة ، لان القوى المعارضة لصدام ذات التأثير في الشارع العراقي معظمها ذات خلفيات عشائرية او مذهبية دينية ، فاتباع هذه الجماعات لا يعادون صدام حسين فحسب ، بل ويعارضون الولايات المتحدة ايضا ، وتأثيرها كبير جدا ، مما عرض المجلس المؤقت القائم على اسس تمثيلية الى موجة شديدة من التساؤلات . ونتيجة لتشعب الاهداف التى تسعى الولايات المتحدة الى تحقيقها من وراء هذه الحرب ، حطمت آلة الحكم السابقة تحطيما يكاد يكون شاملا ، لتزج العراق فى دوامة فراغ السلطة اتت بعاقبتين وخيمتين : الاولى ، الفوضى في النظام الاجتماعى ، حيث ساد الوضع حالة من البلبلة اشتدت فيها اعمال السلب والنهب وعمليات الثأر ، مما أرغم القوات الامريكية على تحمل اعباء جديدة لحفظ الامن العام . والثانية ، الافراط في عمليات حفظ الامن العام زاد من امكانية وقوع اصابات في صفوف القوات الامريكية ، ورسخ الطبيعة الاحتلالية للقوات الاميركية ، وهذا ما لا يمكن للشعب العراقي قبوله .

و حدث ان ارسل صحفي من " نيويورك تايم " تقريرا من داخل العراق يقول بان المستفيد الاكبر من اسقاط سلطة صدام حسين هم اصحاب التعصب الديني ، حيث حدث فى مدينة البصرة وان قتل بعض اصحاب متاجر بيع الخمـور والمشروبات الروحية ، ويعيش ارباب دور السينما فى هلع وخوف ، بينما يعلق اصحاب المحال التجارية الصغيرة يافطات على واجهات محالهم تقول " ايتها الاخوات يرجى منكن تغطية رؤوسكن " للدلالة على ان اصحابها ملتزمون بتعاليم الدين الاسلامى الذي يفرض الحجاب على النساء ، وحتى لا يصابوا بسوء من المتعصبين الدينيين . ومن اجل تفادي المضايقات ، طلب الكثير من اولياء الطالبات الدارسات في كلية العلوم التابعة لجامعة البصرة والتي تحتل نسبتهن اكثر من 80% من مجموع الطلبة ارتداء الحجاب . وكان بيت القصيد من هذا التحقيق الصحفي الذي جاء تحت عنوان " هيا تحجبي " التنبيه بان التعصب الدينى قد يرخى سدوله كستار حديدي على العراق .

هل سيؤدى تعدد الاقطاب الى المواجهة بين الدول الكبرى ؟ هل ستتعاون الدول الاوروبية والولايات المتحدة على تحمل مسؤولية الحفاظ على الامن الدولى بشكل مشترك ؟

لقد اثار الرأى العام العالمى جدلا واسعا حول توجهات الاستراتيجية الامريكية الرامية الى مكافحة الارهاب بعد الحرب العراقية . فقد افادت مقالة نشرت فى "انترناشينال هيرالد تريبيون " ان رؤية الرئيس بوش تجاه العلاقات الدولية تتمحور على : تحمل الولايات المتحدة مسؤولية بسط السلام على ربوع الكرة الارضية ، وفي اليوم الذي تنتصر فيه الحرب ضد الارهاب يتم أداء هذه الرسالة .

لقد تعرضت العلاقات بين طرفي شاطيء المحيط الاطلنطى لصدمة قوية جراء الحرب العراقية ، حيث تعمقت الخلافات و التناقضات بين الولايات المتحدة و الدول الاوروبية . ففى الرابع عشر من مايو/ ايار ، اصدرت ثمانية عشر شخصية من الشخصيات الرسمية الاميركية السابقة بما فيهم ، اولبرايت وبريجسكي ، اعلانا مشتركا دعوا فيه الى تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الاوروبية ، فتلقوا فى الرابع عشر من يونيو / حزيران ردا مشجعا من نظرائهم في مختلف الدول الاوربية ، حيث اكدوا على ضرورة التضامن بين الطرفين ، الولايات المتحدة والدول الاروبية ، لمواجهة التحديات العالمية ، وان بقاءهما وتطورهما مرتبطان مع بعضهما البعض ، ودعوا فيه ايضا الى ضرورة تعزيز عرى التعاون بين الطرفين بدلا عن المواجهة . وادعت السيدة ليس فى كلمة القتها فى معهد لندن للدراسات الاستراتيجية للعلاقات الدولية بانه ينبغى كسر النظام الدولى الهدام الذى تم تكوينه في القرن السابع عشر القائم على نزعة التعصب القومي والذي ادى الى المجابهة بين الدول الكبرى ، و يجب على الدول الاوروبية ان تنبذ من اذهانها مفهوم تعدد الاقطاب لانه لم يؤد دوره بما ينبغى فى دفع عجلة السلام الى الامام ، بل هو – يعنى تعدد الاقطاب – عبارة عن نظرية تدعو الى المواجهة بين الدول الكبرى وتزيد من حدة النزعة التنافسية فيما بينها . و كان كاتب المقالة المنشورة فى" الانترناشينال هيرالد تريبيون" يرى ان كلام ليس يعنى ضرورة ايجاد نظام جديد بديل عن الامم المتحدة ويعلو فوق الحلف الاطلنطى الذى لا ترضى الولايات المتحدة ايضا بما ينادي به الان البعض من اعضائه حول ضرورة تعميم المســـــــاواة . و يبدو ان حديث ليس كان رد فعل موجها الى ما يدعو اليه اليوم الرأى العام الامريكى و الاوروبى من اعادة قولبة لعلاقات الشراكة بين دول المحيط الاطلنطى . و ان وجهتى النظر هاتين متناقضتان مع بعضهما البعض ، حيث ان الولايات المتحدة ترى ان تعدد الاقطاب عامل هدام يؤدي للمواجهة بين الدول الكبرى وعائق يحول امام الولايات المتحدة في تأدية رسالتها فى دفع عجلة السلام ، بينما تدعو أوروبا الى ضرورة التعاون بينهما وتحمل مسؤولية الحفاظ على الامن الدولى بشكل مشترك لان الولايات المتحدة لا تقدر وحدها على مواجهة التحديات المحدقة اذا لم تمد اليها أوروبا يد المساعدة .

هل ستحذو الولايات المتحدة حذو " الامبراطورية التى لا تغيب شمسها " ؟ وهل ستستمر في نشاطاتها التدخلية باهضة الثمن ، ام ستعود لتتجه نحو المناورات الديبلوماسية منخفضة التكاليف ؟ ان الولايات المتحدة تقف اليوم بين خيارين احلاهما مر .

و اليوم هناك ثمة رؤية تدعي بان الولايات المتحدة هي اقوى دولة فى تاريخ العالم منذ سقوط الامبراطورية الرومانية ، ويتوجب عليها الان تطبيق سياسة امبريالية ( امبراطورية ) ترمي الى اعادة تكوين العالم بأسره . هناك من يدعو في الولايات المتحدة الىعقد ندوة تحت عنوان " الامبراطورية الامريكية " تتناول : هل يتحتم على الولايات المتحدة ان تصبح امبراطورية اميركية ، وهل عليها تطبيق سياسة الامبراطورية ، و ما هي فوائدها وما هي مضارها ؟ ومن الطبيعى ان يكون هناك الكثير من يعارض مثل هذه الافكار في الوقت الذي يتمادى البعض فى تأييدها .

ان الجدل حول موضوع الامبريالية الجديدة هو مجرد نغمة من الحان دعاة نزعة المحافظة الحديثة في امريكا ، وهي تختلف عما يروجه دعاة نزعة المحافظة التقليدية . ولكن الحقيقة تقال بانه حتى فى داخل الحكومة الامريكية اصوات متناقضة حول هذا الموضوع . وفي هذا الصدد كتب البريفيسور يوسف من جامعة هارفر مقالة تتناول فيها قوة الولايات المتحدة و استراتيجيتها بعد الحرب العراقية ، فيرى ان الولايات المتحدة ستمنى بالفشل في نهاية المطاف فيما اذا سارت على طريق اعادة تكوين العالم ، ولكن هناك من لا يبدي اي ممانعة في ممارسة الولايات المتحدة لاستراتيجية اعادة تكوين العالم . هناك استاذ جامعي بريطانى يرى ضرورة حذو الولايات المتحدة بالامبراطورية البريطانية فى القرنين التاسع عشر و العشرين ، وتجنيد طاقاتها المتفوقة والهائلة فى خدمة السلام العالمى . ويعلم الجميع كيف أدت بريطانيا هذه الخدمة ، حيث عادت الامبريالية البريطانية من هذه الطريق مجرجرة باذيال الهزيمة ، فعسى ان يكون فى الوقت الراهن – القرن الحادى و العشرين هزيمة افدح تنتظر من يسير فى هذا الطريق .

و ثمة رؤية حملتها " جريدة لوس انجلوس تايمز " في الايام الاخيرة تفيد انه من المحتمل ان تعود السياسة الخارجية الامريكية بعد الحرب العراقية لتتجه نحو ما يتصف بالليونة و ضبط النفس ، حيث تنسحب من المناطق الساخنة بعد بلائها بحرب دفعت فيها ثمنا باهضا ، و تدور على عقبيها من الممارسات والنشاطات التدخلية باهضة الثمن الى المناورات الدبلوماسية منخفضة التكاليف . ويعود السبب فى ذلك الى ان الانتخابات العامة الامريكية اصبحت على الابواب ، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى ، يجب الاخذ بعين الاعتبار ما يدور في أذهان المواطين الامريكان من تداعيات" حادثة الاجهزة الاستخباراتية " والمأزق الامريكي الراهن في العراق . اذن ما هي بالتالي توجهات الولايات المتحدة بعد الحرب العراقية ؟ ان هذا الامر يبدو شديد التعقيد وبحاجة الى الترقب والمتابعة .

لقد طرحت الولايات المتحدة اثر انتهاء الحرب العراقية خطة " خارطة الطريق السلام للشرق الاوسط " و تعلق الحكومة الامريكية أملها على اضعاف حركة المقاومة الفلسطينية ضد اسرائيل بعد اسقاط نظام صدام حسين وابعاد ياسرعرفات ، بما يساعد على المصالحة بين فلسطين واسرائيل ، غير ان الحقيقة عكس ذلك ، حيث بات تأثير حركة " حماس " والمنظمات الفلسطينية المتشددة على الشارع الفلسطيني في تصاعد مطرد . يرى المحللون ان الاسباب التي تساعد " حماس " في المضي قدما في نضالها ضد اسرائيل يعود الى التأييد الواسع الذي تلقاه من عامة الشعب الفلسطيني . وان هذا التأييد الشعبي الواسع لها اكتسبته نتيجة المعونات الهائلة التى تقدمها لابناء الشعب الفلسطيني عبر هيئاتها السياسية والاجتماعية . وباختصار نقول ان قادة " حركة حماس " هم الاوفر حظا في التأييد الشعبي من غيرهم للحياة البسيطة التي يعيشونها ومخاطرتهم الدائمة بحياتهم .

فاذا ما ارادت الولايات المتحدة اعادة تكوين الشرق الاوسط فعليها ان تجد وسيلة لفك لغز الملفين الحاسمين الاخرين : الملف السوري والملف الايرانى . واذا نظرنا الى ما يجرى حاليا هناك ، نجد ان الولايات المتحدة تتعامل مع سوريا بشيء من اللطافة مقارنة بمعاملتها الصارمة لايران ، ويعود السبب فى ذلك الى القوة الكبيرة التي تتمتع بها ايران ، ولما لها من باع طويل في التأثير على المنظمات المتشددة فى منطقة الشرق الاوسط ، وحتى فى داخل العراق فان الاكثرية الشيعية هناك يعادون صدام حسين ولكنهم يعارضون ايضا الولايات المتحدة . والسبب الثانى يعود الى الضغائن التاريخية بين الولايات المتحدة و ايران ، حيث كانت ايران اكثر تأثرا بالاتحاد السوفياتى ، اما بعد الحرب العالمية الثانية فكان شاه ايران الموالى للولايات المتحدة ينتهج في الداخل سياسة دنيوية الاصلاح الحديث وفق النموذج الغربي ، فنتج عنها ظهور شريحة عليا على النمط الامريكي واخرى دنيا اسلامية حيث تفاقمت حدة الانشقاقات داخل المجتمع الايراني ، واشتدت مشاعرالعداء الشعبي تجاه الولايات المتحدة . وبعد سقوط شاه ايران على يد ثورة الخمينى ، وقعت ايضا حادثة حجز اعضاء السفارة الامريكية كرهائن مما زاد العلاقات بين البلدين تدهورا اكثر فأكثر .

علينا الاكثار من الاصدقاء والتقليل من الاعداء ، والوقاية من الفوضى والبلبلة الداخلية ، ومعالجة قضايانا بشكل جيد . يمكن للعلاقات الصينية الامريكية المحافظة على حالة استقرار لفترة طويلة نسبيا ، بل ستسجل مزيدا من التقدم . الفرص الماثلة امامنا خلال العشرين عاما القادمة ليست بعيدة عن الواقع .

لقد اتت لنا الحرب العراقية بسؤال ، تريد الولايات المتحدة استخدام مبدأ المبادرة بالضرب ، حيث ستقوم بالانقضاض على اي دولة كانت ترى انها تدعم الارهاب ، فاذا ما كان الوضع بالفعل كذلك ، فسيطرأ على العلاقات الدولية تغيرات هائلة . هناك من يرى أن العشرين سنة الاولى من القرن الحادى و العشرين ستكون فرصة استراتيجية سانحة للتنمية في الصين ، اذن ما هو العمل الذى ينتظرنا خلال هذه الفترة ؟ . الصين هي دولة كبيرة ، فاذا ما أمنا بيتنا من الفوضى والبلبلة ، وعالجنا قضايانا الداخلية بصورة مرضية ، وعقدنا صداقات واسعة وقللنا من العداوات في المحيط الدولى ، فليس من السهل على الدول الاخرى القيام بمواجهتنا ؛ ومن ناحية اخرى ، طرأ تحسنا كبيرا على العلاقات الصينية الامريكية بعد حادثة " 11 / 9 " ، ومن ناحية ثالثة ، ان الجبهات الامامية للولايات المتحدة تتمدد طولا وتتسع عرضا يوما بعد يوم ، فعلى سبيل المثال ، عندما تعرضت الفلبين الى مشاكل وصعوبات في مكافحة الارهاب حركت امريكا جنودها الى هناك ؛ وليبيريا تتعرض الان لبعض المشاكل تتعلق بمصير الكثير من المواطنين ذوي الاصول الامريكية ، فهل ستحرك امريكا جنودها الى هناك ايضا ؟ و ما اكثر القضايا في العالم ! الولايات المتحدة لا تريد ان تترك أية منها دون أن تحشر أنفها فيها . اخشى ان تكون قدرة الولايات المتحدة لا تلبي رغباتها . ( العين بصيرة واليد قصيرة ) .

سبق وان اعرنا اهتمامنا الى مسألة انتقال مركز الاستراتيجية الامريكية من الغرب الى الشرق ، غير ان مستجدات الوضع الدولى دلت على ان ثقلها ما زال على حاله باقيا فى أوروبا . فعلى الرغم مما طرأ على العلاقات الاوروبية الامريكية من تغيرات في الاونة الاخيرة الا ان علاقات التحالف بينهما ما زالت قائمة ، ولكن تخللها شرخا كبيرا . وقد صرحت الولايات المتحدة بانها يمكن العفو عن روسيا وعدم محاسبة المانيا ، الا انها لن تترك فرنسا . كما طرحت الولايات المتحدة نظرية الفصل بين اوروبا القديمة واوروبا الجديدة ، علما بان هناك بعض الدول الاوروبية الحديثة تدور في فلك الولايا ت المتحدة ، الا ان فرنسا والمانيا تعتبران اولا و أخيرا كقوتين رئيسيتين فى اوربا ، فاذا ما استمر هذا التناقض في التطور فان النفوذ الامريكى التقليدى فى اوربا سيصاب بنكسات. والى جانب ذلك ، من الناحية العسكرية فانه لا ضرورة لامريكا في نشر قواتها العسكرية فى آسيا على نطاق واسع في هذا الوقت ، حيث تستطيع القيام في اي حرب اذا ارادت عن بعد ، كما لا يهمها ان تنقل قواعدها الى الامام او الى الخلف ، فحاملات الطائرات هي قواعد لها . وان القاذفات عابرة القارات يمكنها الانطلاق من على الاراضي الامريكية لضرب اي هدف تحدده ، وان كان الهدف بعيدا يمكن استخدام نظام التوجيه الدقيق . وما يقلق القيادة العسكرية الامريكية الآن عدم رغبة جنودها الاقتراب من ساحات الوغى .

وخلاصة القول ان الولايات المتحدة ستضع من الآن فصاعدا ولفترة طويلة مهمة مكافحة الارهاب واسلحة الدمار الشامل فى المقام الاول . وفي هذه الحالة ، فان الولايات المتحدة تطالب بمزيد من التعاون مع الصين ، فلا داعى للولايات المتحدة ، بل ولا تقدر على محاصرة الصين استراتيجيا ؛ وان الدول الاسيوية ، انطلاقا من مصالحها الذاتية ، لن تشارك في اي طوق عدائي ضد الصين . وما دمنا نعالج قضايانا الداخلية بصورة مرضية يمكن للعلاقات الصينية الامريكية المحافظة على حالة استقرار لفترة طويلة نسبيا ، بل ستسجل مزيدا من التقدم . لذا فان الفرص التي اشرنا اليها خلال العشرين عاما القادمة ليست بعيدة عن الواقع " المصدر : مجلة الشؤون الدولية (( WORLD AFFAIRS )) ، العدد التاسع لعام 2003

阿尔及利亚 阿拉伯联合酋长国 阿曼 阿拉伯埃及共和国 巴勒斯坦 伊拉克共和国 索马里共和国 毛里塔尼亚伊斯兰共和国 科摩罗伊斯兰联邦共和国 也门共和国 阿拉伯叙利亚共和国 突尼斯共和国 苏丹共和国 沙特阿拉伯王国 摩洛哥王国 大阿拉伯利比亚人民社会主义民众国 黎巴嫩共和国 科威特 卡塔尔 吉布提共和国 巴林王国 约旦哈希姆王国