【中阿社区】【旅游健康】【数字事实】【招商引资】【企业服务】【战略.研究】【投资委员会】【专题活动】【文化.教育】【经贸投资】【政治事务】【快讯】【首 页】
【الرئيسية】【أخبار واحداث】【شؤون سياسية】【تجارة وقتصاد】【مجلس التنمية】【ابحاث استراتيجية】【مؤسسات وخدمات】【أنشطة خاصة】【ثقافة وتعليم.】【فرص وعروض】【فيديو وصور】【سياحة وصحة】【الجالية العربية】
الموقع الحالي:منزل>دراسات استراتيجية>نص

من شرق أوروبا وآسيا الوسطى...الى شرق المتوسط (العربي – الإسلامي

Date:2010-05-24

من شرق أوروبا وآسيا الوسطى...الى شرق المتوسط (العربي – الإسلامي)
حروب واشنطن الكونية تسعى لإدامة انفرادها بالهيمنة... وخاصة إزاء صعود الصين وجوارها

أثناء الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي جورج بوش لأوروبا ولقاءاته مع قادة الاتحاد الأوروبي ومع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أواخر شهر شباط/فبراير 2005، وقبل ذلك بأسابيع، في الخطابين الرسميين اللذين ألقاهما بوش في أواخر كانون الثاني/يناير وأوائل شباط/فبراير... خطاب التنصيب لولاية ثانية وخطاب "حالة الاتحاد" السنوي أمام الكونغرس، لفت الانتباه لجوؤه الى استخدام متكرر لكلمة "الحرية". كما لوحظ في أحايثه تركيز أقل على مسألة انتشار أسلحة الدمار الشامل والحديث عن مواجهة "الإرهاب الدولي" مقارنة بخطب سابقة، وخاصة قبل غزو العراق في آذار/مارس 2003.

فقد استعمل بوش كلمة "الحرية"، بمفردتيها باللغة الانكليزية – "ليبرتي"، ذات الجذر اللاتيني، و"فريدم"، ذات الجذر الجرماني – استعملها أكثر من أربعين مرة في خطاب التنصيب، وزهاء الثلاثين مرة في خطاب "حالة الأمة". وتكررت هذه الكلمة على لسانه في كافة محطاته الأوروبية.

وواضح أن الحديث عن منع انتشار أسلحة الدمار الشامل لتبرير غزو العراق لم يعد مقنعاً لأحد، بعد أن تأكد الأميركيون والعالم كله من عدم وجود أي أثر لهذه الأسلحة في العراق عشية الغزو. أما مواجهة "الإرهاب الدولي" فتبقى شعاراً مفيداً لهذه الإدارة الأميركية يتم تحت غطائه محاربة كل خصوم أميركا وكل من يهدد مصالحها الاستراتيجية...علماً بأن استخدام هذه الحجة في الحرب على العراق أصبح أيضاً غير مقنع، حتى داخل أميركا وفي أوساطها المتابعة للأوضاع العالمية. خاصة بعد أن تنامى، بعد احتلال العراق، تلمس حجم العداء للولايات المتحدة المتزايد في أنحاء العالم العربي والإسلامي، لا بل في العالم كله تقريباً. وكذلك بعد أن تزايدت العمليات المناهضة للأميركيين وحلفائهم وأصدقائهم، في العراق خاصة، ولكن ليس فقط هناك. هذا في حين ازداد عدد السياسيين والإعلاميين الأميركيين الذين باتوا يتحدثون، في ما يتعلق بالعراق، عن "إنسيرجنسي"، أي "تمرد" أو "انتفاض"، أو حتى أحياناً عن "مقاومة"...

يافطة "الحرية" للتغطية على الأهداف الحقيقية للهجوم الأميركي

ولم يبق لرأس الادارة الأميركية إلا أن يصبغ على مشروعه الإمبراطوري الكوني، الذي لا يقتصر على العراق، صبغة مثالية وطوباوية تبدو مجردة من الأنانية، من خلال الحديث عن نشر الحرية في أنحاء العالم، بحيث تبدو تواصلاً للشعارات التي أطلقتها الثورة الأميركية ضد البريطانيين قبل أكثر من قرنين من الزمن، وامتداداً للحملة العالمية ضد الشيوعية والاتحاد السوفييتي ابان "الحرب الباردة" تحت اليافطة إياها.

ويلفت الانتباه أيضاً أن بوش، مقابل الإكثار من استخدام كلمة "الحرية"، لم يردد بنفس الوتيرة كلمة "الديمقراطية"، ربما لأن الديمقراطية أكثر إشكالية بالنسبة للمصالح الأميركية. حيث إن تطبيقها الفعلي، وليس الشكلي كما هو الحال في العديد من الدول التي يشيد بها الزعماء الأميركيون ويرتاحون الى ولائها المستمر، هذا التطبيق الفعلي للديمقراطية سيجعل الشعوب وممثليهم يدافعون أولاً عن مصالح جمهورهم، أي شعوب بلدانهم، وليس عن مصالح الولايات المتحدة والنظام الرأسمالي المعولم الذي تقوده وتسعى الى إدامته تحت هيمنتها.

وقد يسقط بعض الناس في فخ هذه "المثالية" الأميركية الظاهرية، ويعتقدون أن الجنود الأميركيين الذين يسقطون في العراق وغير العراق يموتون من أجل نشر الحرية وكسر أطواق الاستبداد، ومن أجل سواد عيون الشعوب المضطهدة والمقموعة في العالم. لكن المتابعين للأمور في عصر الانتشار السريع للمعلومات، والمدركين لبنية النظام الرأسمالي الأميركي والكوني يعلمون أن وراء هذه اللغة الأخلاقية المثالية تختبىء رؤية واضحة لمصالح مادية جداً لأميركا ولأرباب الشركات والمشاريع الرأسمالية الكبرى فيها.

ومن المفيد التذكير بأن معظم العمليات الاستعمارية والتوسعية في التاريخ المعاصر استخدمت مثل هذه الأوشحة المثالية بهدف محاولة التغطية على الأهداف الحقيقية لها. فالبريطانيون أنفسهم، الذين احتلوا العراق بعد الحرب العالمية الأولى في القرن العشرين، تحدثوا أيضاً عن "تحرير العراق" من الطغيان العثماني. ونابليون بونابرت، الذي كاد يحتل القارة الأوروبية كلها في مطالع القرن التاسع عشر، فعل ذلك تحت راية نشر شعارات ومثل الثورة الفرنسية (التي انطلقت في العام 1789)، وهي الشعارات التي تلخصها الكلمات الثلاث المعروفة "حرية، مساواة، إخاء".

خسائر في الحرب...تقابلها أرباح هائلة لشركات أميركية كبرى

وإذا كانت المغامرة العراقية المعاصرة قد كلّفت الخزينة الأميركية حتى الآن مئات مليارات الدولارات، علاوة على ما يقارب الإثني عشر ألفاً بين قتيل ومعطوب، فإن الأسابيع الأولى من العام 2005 كشفت عن وجه آخر لا يقل أهمية لهذه الحرب، حيث تم الإعلان عن أرباح غير مسبوقة لكبرى الشركات الأميركية، مثل شركة "إكسسون" النفطية، وكذلك شركة هاليبورتون والشركات متعددة المجالات المرتبطة بها، والتي كانت لها حصة الأسد في الصفقات التموينية والانشائية المرتبطة بالحرب على العراق وإعادة إحياء بنيته التحتية (وهي مهمة لم تتقدم كثيراُ، بعد أن اضطر الأميركيون لتخصيص جزء كبير من موازنات الحرب للعمليات العسكرية ولمواجهة المقاومة المتصاعدة للاحتلال).

ويبقى أن نشير الى أن "الحرية" في مفهوم الإدارة الأميركية هي، بشكل ملموس، تلك التي يقولون أنه تم نشرها في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وبلدان اوروبا الشرقية الحليفة له، بعد انهيارات أنظمتها وتجاربها الاشتراكية بعد العام 1989، وهي "الحرية" التي سمحت لكبريات الاحتكارات الأميركية وغير الأميركية بشراء القطاع العام في هذه البلدان بأسعار بخسة، وبالتدخل في السياسات الداخلية لهذه البلدان بأشكال شتى، برز من بينها الشكل الذي اتبع مؤخراً في بلدان مثل جورجيا وأوكرانيا (وكلاهما كانا جزء من الاتحاد السوفييتي السابق)، لقلب أنظمة متأرجحة في ولائها وتوجهاتها المستقبلية بين البقاء قريباً من المركز الروسي السابق والانشداد الى المركز الغربي، وخاصة المركز الأميركي. وكلنا يتذكر التعبير الذي استخدمه وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد عشية الحرب على العراق، حين تحدث عن التمايز بين ما أسماه دول "اوروبا القديمة"، وكان يقصد بشكل خاص ألمانيا وفرنسا اللتين اعترضتا على انفراد واشنطن بقرار الحرب، وما أسماه دول "اوروبا الجديدة"، المؤيدة للمشروع الأميركي، ويقصد بها دول أوروبا الشرقية المشار إليها.

ومن المعروف أن الولايات المتحدة، وغيرها من الدول الرأسمالية، خاصة الأوروبية الغربية، عملت بعد انهيارات أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات الماضية على الاستفادة من حالة الفوضى والفلتان السياسي والاقتصادي والأخلاقي في معظم هذه البلدان للقيام بشراء أراض وأملاك ومؤسسات ومشاريع كانت تابعة للقطاع العام، بالتواطؤ مع العصابات (المافيات) المحلية، التي نشأت وانتشرت بعد الانهيارات في هذه البلدان نفسها. كما عمدت أميركا بشكل خاص الى بناء نفوذ سياسي لها في هذه البلدان، عبر دعم أحزاب وقوى وشخصيات مستعدة للتناغم مع توجهاتها ومصالحها، وقامت بإغداق الأموال عليها، وعلى مؤسسات ومراكز متنوعة العناوين تسمى "غير حكومية"، نمت كالفطر في تلك الفترة، خاصة في البلدان التي لم تحسم قياداتها الجديدة تماماً انحيازها للمعسكر الأميركي – الرأسمالي الغربي.

حروب وانقلابات وتدخلات في محيط بحر قزوين... الغني بالنفط

وقد رأينا كيف تمت الاطاحة في جورجيا، الواقعة على الضفاف الشرقية للبحر الأسود، على طريق أنابيب النفط الآتية من بحر قزوين، بنظام ادوارد شيفاردنادزه، الذي تأرجح طويلاً بين العلاقة مع روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي والعلاقة مع المعسكر الأميركي – الأطلسي. فالتظاهرات التي جرت في العاصمة الجورجية تبليسي للاطاحة به كانت تحركها مؤسسات محلية ممولة من مصادر أميركية، وهو أمر بات معروفاً ومنشوراً في وسائل الإعلام بكثير من التفاصيل والأسماء. وهذه التظاهرات التي قادت الى وصول رئيس جديد، موال للأميركيين الى السلطة (وهو ميخائيل ساكاشفيلي، الذي كان قبل ذلك مقيماً في الولايات المتحدة ويحمل جواز سفرها). ورغم أن جورجيا بلد صغير نسبياً (زهاء الخمسة ملايين نسمة)، إلا إن موقعه على مقربة من منابع النفط في أذربيجان ومنطقة بحر قزوين وعلى ضفاف البحر الأسود، المطل غرباً على القارة الأوروبية، جعله هدفاً ذا أهمية للمشروع الأميركي الكوني الساعي الى وضع اليد على مناطق الثروات الاستراتيجية الرئيسة، وخاصة النفط والغاز، والتحكم بتدفقها وطرق نقلها، خاصة مع عودة روسيا الى اتباع سياسة مستقلة نسبياً عن المركز الرأسمالي (الأميركي) بعد رحيل الرئيس الأول لروسيا ما بعد السوفييتية، بوريس يلتسين.

ومن المهم الإشارة الى أن من بين الدوافع الرئيسة للسياسة الأميركية في تلك المنطقة، بالإضافة الى دافع "عزل روسيا عن محيطها السابق" – كما أسماه وزير الدفاع الروسي الحالي سيرغي إيفانوف-، دافع استباق تطلعات الصين، التي ليست بعيدة عن آسيا الوسطى، لا بل هي على تماس واسع معها، خاصة مع استمرار نموها الاقتصادي الهائل بوتيرة عالية جداً (9،5 بالمئة في العام 2004) ومع تزايد استهلاكها للمواد الأولية المستوردة، وخاصة لموارد الطاقة، وتحديداً النفط والغاز، بعد أن لم يعد انتاجها المحلي منهما كافياً لمواصلة هذه الوتيرة من التنمية المتسارعة.

وما ينطبق على الصين، ينطبق، بشكل أقل ولكن مهم أيضاً، على بلدان مجاورة للصين، وخاصة الهند، التي تشهد بدورها نمواً اقتصادياً سريعاً في العقدين الأخيرين خاصة. ومع أن منطقة بحر قزوين، على أهمية ثروتها النفطية – الغازية، لا تقارن من حيث حجم الاحتياطي المكتشف من هاتين المادتين مع المنطقة الخليجية والشرق أوسطية (حوالي 5 بالمئة لقزوين مقابل أكثر من60 بالمئة للمنطقة الخليجية- المشرقية)، إلا إن السياسة الأميركية الخارجية والعسكرية ركّزت عليها، منذ تفكك الاتحاد السوفييتي خاصة، لتعزيز نفوذ الشركات النفطية الأميركية الكبرى في هذه المنطقة، وصولاً الى تأمين وجود أميركي عسكري مباشر في بعض بلدانها، على شكل قواعد أو صيغ تعاون عسكري ضد "الإرهاب" مثلاً (قيرغيزيا، اوزبكستان، أذربيجان،...).

أميركا تدخلت في أفغانستان في أواخر السبعينات... قبل التدخل السوفييتي

والاهتمام الأميركي بأفغانستان (الفقيرة، بحد ذاتها، بمثل هذه الثروات) يعود، في جانب منه، الى كونها ممراً مهماً محتملاً لأنابيب النفط والغاز باتجاه المحيط الهندي وكتلة بلدان آسيا الجنوبية والشرقية، هذه الكتلة الصاعدة في الخارطة الاقتصادية العالمية والمركز الجديد المحتمل للنشاط الاقتصادي الأوسع في العالم خلال العقود القادمة.

ومعروف أن اهتمام واشنطن بأفغانستان ليس حديثاً، وليس نتاج تفجيرات 11/9/2001، بل هو يعود، على الأقل، الى أواخر السبعينيات الماضية، بعد استيلاء حزب يساري على السلطة في هذا البلد في ربيع العام 1978، ومن ثمّ الثورة الإيرانية في مطلع العام التالي، وهي الثورة التي أطاحت بأهم حليف للولايات المتحدة في منطقة الخليج النفطية، النظام الشاهنشاهي. وكلها تطورات جرت بعد أقل من خمس سنوات على الفورة النفطية والارتفاع الكبير في أسعار النفط الذي فرضته منظمة الدول المصدّرة "أوبك" في مناخات حرب تشرين الأول/اكتوبر 1973.

وقد أقرّ مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في تلك الفترة، زبغنيو بريجنسكي، في حديث أجراه لاحقاً مع مجلة "لو نوفيل اوبسرفاتور" الفرنسية، ونشرته في عددها الصادر في منتصف الشهر الأول من العام 1998، بأن الولايات المتحدة سبقت الاتحاد السوفييتي في الدخول الى ساحة الصراع الأفغانية، حيث وقّع الرئيس كارتر، حسب كلام بريجنسكي، توجيهاً يوم 3/7/1979 يقضي بتقديم دعم سرّي لمناهضي النظام اليساري في أفغانستان. وقال بريجنسكي في هذه المقابلة إنه وجه ملاحظة مكتوبة الى الرئيس كارتر في اليوم ذاته تفيد بأنه يرى أن قرار الرئيس سيدفع الاتحاد السوفييتي الى التدخل العسكري في أفغانستان. وبالفعل، دخلت القوات السوفييتية الى أفغانستان في أواخر العام ذاته في كانون الأول/ديسمبر 1979، أي بعد أقل من ستة أشهر على القرار الأميركي بالتدخل. وقد برّر الزعيم السوفييتي، آنذاك، ليونيد بريجنيف، هذا التدخل بخشية الاتحاد السوفييتي من أن تتكرر تجربة تشيلي، حيث دعم الأميركيون ومخابراتهم المركزية هناك ضباط الجيش المحلي المناهضين لنظام سلفادور اليندي اليساري المنتخب ديمقراطياً، في عملية إنقلابية دموية جرت في أيلول/سبتمبر من العام 1973 (وهو دعم أكدته الوثائق الأميركية التي جرى نشرها في السنوات الأخيرة حول تلك الفترة) ... وما جرى بعد ذلك في أفغانستان معروف. ومعروف الدور الكبير الذي لعبته الولايات المتحدة وأجهزتها الاستخبارية في تمويل وتدريب عمليات المواجهة للسوفييت في أفغانستان، ليس لسواد عيون الشعب الأفغاني، طبعاً، وسواد عيون القوى المحلية المناهضة للسيطرة السوفييتية على البلد، بل بهدف استنزاف الاتحاد السوفييتي والإمعان في إضعافه، وهو ما حدث بالفعل، واتضحت نتائجه خلال سنوات قليلة بعد ذلك.

وفي ردّه على سؤال للمجلة الفرنسية، عبّر بريجنسكي عن سعادته لهذا القرار الأميركي بالتدخل السري في أفغانستان وما نتج عنه من تورط الاتحاد السوفييتي في حرب استنزاف طويلة، ساهمت في انهيار نظامه وفي تفككه.

ومن المفيد الإشارة أيضاً الى أن شركة "يونوكال" الأميركية كانت، في أواخر التسعينيات الماضية، بصدد التفاوض مع نظام طالبان في أفغانستان، بدعم رسمي أميركي، لتأمين بناء خط أنابيب لنقل نفط بحر قزوين، عبر أفغانستان وباكستان، الى المحيط الهندي، حيث يمكن أن ينقل الى بلدان آسيا الشرقية والجنوبية الشرقية من هناك، بدلاً من المرور عبر روسيا والصين.

ولم يتم انجاز الاتفاق حول هذا المشروع سريعاً الى أن أتت تفجيرات أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، التي اتهمت الإدارة الأميركية الشيخ أسامة بن لادن، الذي كان يعتقد أنه مقيم في أفغانستان، بتنظيمها، وأنذرت حكومة طالبان بتسليمه لها، وهو ما رفضته حكومة طالبان، فاعتبر الرفض مبرراً لاجتياح البلد وقلب النظام الحاكم فيه.

وبعد احتلال أفغانستان في أواخر العام 2001، أصبح الأميركيون حاضرون مباشرة في البلد، كما في عدد من البلدان المجاورة (باكستان، محيط بحر قزوين ...)، ولم يعودوا بحاجة الى وسطاء.

وأصابع وأموال أميركية ... في أوكرانيا أيضاً

وما فعله الأميركيون في جورجيا – السوفييتية سابقاً- فعلوه أيضاً في بلد أكبر وأهم في قلب أوروبا، وهو أوكرانيا، الجار الغربي والجنوبي الغربي لروسيا، والممر الهام لأنابيب الغاز الروسية باتجاه بلدان أوروبا العديدة التي تعتمد على وارداتها منه من روسيا. وأوكرانيا، ذات الخمسين مليون نسمة تقريباً (وهو رقم يتناقص بسبب سوء الأوضاع الصحية والمعيشية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي) كانت الجمهورية الثانية في الاتحاد السابق من حيث الحجم السكاني بعد روسيا.

فقد غذّا الأميركيون الحركة المعارضة للنظام الذي أقامه ليونيد كوتشما في أوكرانيا... وهو نظام فاسد، في كل الأحوال، لكنه اختار في السنوات الأخيرة الاقتراب من روسيا بدلاً من التوجه غرباً، كما حصل مع عدد من الدول السوفييتية السابقة والشرق أوروبية التي اختارت الانضمام لحلف شمال الأطلسي، وحيث أمكن للاتحاد الأوروبي. ودعم الأميركيون، والأوروبيون الغربيون، المرشح للرئاسة، فيكتور يوشنكو، المناهض لمرشح كوتشما في الانتخابات التي جرت في أواخر العام 2004، وهو رئيس وزرائه فيكتور يانوكوفيتش. وقاموا بالإغداق على القوى والجمعيات والمؤسسات "غير الحكومية" التي أوجدوا العديد منها، وقد قامت كلها بدور كبير في تنظيم التظاهرات المناهضة للنظام السابق، وفي دعم وتأمين نجاح حملة المرشح يوشنكو، الذي حقق النصر في نهاية المطاف على حساب المرشح الآخر، الذي أبدى حكام روسيا في بداية الحملة الانتخابية تفضيلهم له.

***

كيف يكون القرن الحادي والعشرون، كما العشرون، "قرناً أميركياً"!

وهكذا، فإن الشعارات الكبيرة التي يرددها الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش لا تخفي طبيعة مشروع الهيمنة الأمبراطورية الكونية، الهادف الى إدامة الوضع الناجم عن انهيار الاتحاد السوفييتي والإنفراد الأميركي بالقوة والحضور العسكري والاقتصادي على امتداد الكرة الأرضية.

وكان الرئيس الأميركي السابق ويليام كلينتون قد ذكر في الخطاب الذي ألقاه عشية دخول العالم الألفية الميلادية الثالثة والقرن الجديد أن الولايات المتحدة تتطلع الى "جعل القرن الحادي والعشرين قرناً أميركياً كما كان القرن العشرون". وهي الفكرة التي أخذها اليمين الجمهوري وحلفاؤه "المحافظون الجدد" بحرفيتها بعد انتخابات العام 2000، وسعوا من أجل ضمان تحقيقها بشتى الأساليب والسبل، بدء باستخدام القوة العسكرية الهائلة للولايات المتحدة.

ومعروف أن السياسات العامة والكبرى في الولايات المتحدة تتحدد من خلال شبكة واسعة من المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية ومراكز الأبحاث و"العصف الفكري" والاخصائيين والمستشارين، مما يجعل رئيس الدولة مجرد حكم نهائي للبت في القرارات والخيارات، التي، كما ذكرنا، لا يطبخها وحده، على غرار ما يحصل في بعض بلدان "العالم الثالث". وهذا الواقع يفسّر استمرار رئيس محدود الثقافة العامة والمعرفة بالشأن العالمي، مثل جورج بوش الإبن، على رأس السلطة (مؤخراً، أبدى بوش الإبن إعجابه بكتاب أصدره في الولايات المتحدة الوزير الاسرائيلي اليميني المتطرف ناتان شارانسكي، ولاحظ المراقبون لخطاباته الأخيرة أنه اعتمد على فقرات كاملة أخذها من هذا الكتاب).

وقبل بوش الإبن، وقبل أبيه الأكثر معرفة بالشؤون الدولية، كان الرئيس الأسبق رونالد ريغن هو أيضاً قليل المعرفة بشؤون العالم قبل وصوله الى سدة الرئاسة في العام 1981...وبقي قليل الانغماس فيها حتى خلال سنوات حكمه. حيث كان معروفاً عنه عدم ولعه بالقراءة (بما في ذلك قراءة التقارير التي تقدم اليه من مستشاريه والمؤسسات الأمنية الأميركية، مما اضطر مستشاريه الى اختزالهت بشكل كبير). وكان ريغن لا يخفي، وهو الآتي من مجال التمثيل السينمائي، اعتماده على مشاهدة الأفلام الروائية كمصدر رئيسي لثقافته ومعلوماته (المشوهة طبعاً) عن العالم والتاريخ الدولي المعاصر. ويروى عنه في أحد تصريحاته أنه تحدث عن كلمات عدوانية تجاه أوروبا نسبها الى مؤسس الاتحاد السوفييتي، فلاديمير لينين. وقد عجز المنقّبون عن مصدر هذه "المعلومة" في ما هو معروف ومنشور من كتابات وتصريحات لينين، الى أن أكتشفوا أنها وردت في فيلم سينمائي أعد في هوليوود في مرحلة العداء المحموم للشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية!

وبالتأكيد، هناك تمايزات واضحة بين سياسات الادارات الجمهورية اليمينية، وخاصة إدارتي رونالد ريغن وجورج بوش الأبن، وسياسات الادارات الديمقراطية، مثل إدارتي جيمي كارتر وبيل كلينتون. ولكن هناك تقاطعات واسعة في مجالات عدة واستمرارية في السياسات الكبرى، طالما أن سياسات الحزبين تنطلق من الدفاع عن المصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة ومؤسساتها الاقتصادية – العسكرية الكبرى.

ولنتذكر أن جيمي كارتر، الذي يبدو الآن في سلوكه الشخصي وكأنه من أنصار السلام والتآخي بين الشعوب، هو الذي أعلن، بعد الثورة الإيرانية عام 1979، ما سمي ب"مبدأ كارتر"، الذي قضى في ما قضى باعتبار منطقة الخليج "منطقة مصالح حيوية للولايات المتحدة". وإدارة كارتر هي التي أنشأت "قوات التدخل السريع"، التي بدأت تدريباتها في مناطق صحراوية في أميركا أولاً، ثم في المنطقة العربية، استباقاً لمهمات لاحقة في مناطق النفط الخليجية قام بها فعلياً رئيسان جمهوريان (في العامين 1991 و2003 خاصة) دفاعاً عن هذه "المصالح الاستراتيجية الأميركية" في المنطقة النفطية الأغنى في العالم.

تهديدات تبرز في الأفق لدوام انفراد أميركا بالهيمنة الكونية

ومن الواضح أن كبار المخططين للسياسات الاستراتيجية الأميركية (بما في ذلك تيار "المحافظين الجدد" الشهير) أخذوا يتدارسون سبل إدامة الهيمنة الأميركية على الصعيد الكوني خلال العقود القادمة من مختلف الزوايا، الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية – العلمية والايديولوجية –الثقافية، وفي مجال السيطرة على موارد الطاقة والثروات الطبيعية الهامة عامة. وقد اختار "المحافظون الجدد"، والتيار اليميني في الحزب الجمهوري الذي يتقاطع معهم (وأبرز رموزه في الإدارة الحالية نائب الرئيس ريتشارد تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، والرئيس جورج بوش نفسه) اختاروا سياسة هجومية كونية بأساليب وأدوات شتى، بما في ذلك، وفي المقدمة، الأداة العسكرية. ففي الآفاق القريبة والمتوسطة المدى، بدأت تبرز تهديدات جديدة ينبغي استباق تناميها وتنامي تأثيرها على دوام الهيمنة الأميركية:

أولاً، هناك التنامي المتسارع لقوة الصين، التي قطعت خلال عقدين من الزمن أشواطاً هائلة للتحول الى قوة اقتصادية (وتكنولوجية وعسكرية) ذات تأثير متزايد على محيطها الآسيوي... وحتى في السنوات الأخيرة على مناطق أخرى في العالم. وبعض التوقعات الأخيرة تتحدث عن احتمال تجاوز الاقتصاد الصيني للاقتصاد الأميركي، من حيث حجم الناتج الأجمالي، في أواسط القرن الحالي، في حين خرجت مؤخراً توقعات خبراء إقتصاديين آخرين تتحدث عن تحقيق هذا التجاوز خلال عشرينيات القرن الحالي، أي بعد زهاء 15 الى 20 سنة. والى جانب الصين، تشهد الهند أيضاً، تنامياً لاقتصادها وقوتها العسكرية (وقد أصبحت مؤخراً، مع جارتها باكستان، قوة نووية)، مما يؤهلها أيضاً للعب دور متزايد في الاقتصاد والسياسة على مستوى العالم في السنوات القادمة. بحيث تستعيد هاتين القوتين البشريتين الضخمتين، الصين والهند (كل منهما يتجاوز عدد سكانها المليار نسمة) مكانة شبيهة، وبمستوى أرقى، في التجارة العالمية للمواد المصنّعة، للمكانة التي كانت لها قبل مطالع القرن التاسع عشر والثورة الصناعية الأوروبية التي شهدتها العقود الأولى من ذلك القرن.

من جانب آخر، يثير القلق مجدداً لدى المخططين للسياسات الأميركية الكونية عودة روسيا الى سياسات أكثر استقلالية وأقل مطواعية لسياسات الولايات المتحدة والغرب، خاصة مع التحسن في الوضع الاقتصادي الروسي، الناجم بالأساس عن ارتفاع أسعار النفط والغاز (وروسيا هي المنتج الثاني في العالم للنفط بعد العربية السعودية) ومع نزوع إدارة فلاديمير بوتين الى إعادة الاعتبار للقوة الروسية والحضور السياسي الروسي على المستوى العالمي. وما زاد القلق الأميركي أكثر نزوع البلدين الكبيرين، روسيا والصين، الى تطوير العلاقات الاقتصادية في ما بينهما، وربما السعي الى شكل أعلى من التحالف الاستراتيجي، وهو تحالف يمكن أن يمد خيوطاً قوية مع بلدان هامة أخرى، مثل الهند (بعد نجاح حزب المؤتمر وحلفائه اليساريين في الانتخابات الأخيرة) وعدد من دول أميركا اللاتينية المتجهة الى بناء شبكة من العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية أوسع من المجال التقليدي بين دول القارة الأميركية، بشمالها ووسطها وجنوبها. حيث إن هذه الظاهرة الاستقلالية عن السياسة الأميركية الشمالية شهدت اتساعاً، في السنوات القليلة الماضية، في عموم القارة اللاتينية، وخاصة بعد الأزمات الاقتصادية والنقدية الطاحنة التي شهدتها بلدان مثل المكسيك والارجنتين وغيرهما من دول القارة. وبرز التحول اليساري المناهض للهيمنة الأميركية بشكل ملحوظ في بلدين هامين، أولهما فنزويلا، البلد النفطي الرئيسي في القارة الأميركية الجنوبية والمصدّر الخامس في العالم، وأحد المصادر الرئيسية للنفط الذي تستورده الولايات المتحدة من خارج حدودها... والبلد الثاني هو البرازيل، الدولة الأكبر سكاناً (قرابة المائتي مليون نسمة) ومساحةً والأقوى اقتصادياُ في أميركا اللاتينية.

ومن المهم الإشارة الى أن الصين دخلت مؤخراً في اتفاقات واسعة مع هذين البلدين، وبلدان أخرى في القارة اللاتينية، بما في ذلك في مجال استيراد الصين للنفط ومواد أولية أخرى ومجال تبادل السلع والخدمات. وهو، بالتأكيد، ما لا يروق كثيراً لأصحاب الشأن في واشنطن، الذين حاولوا جاهدين في السنوات الأخيرة الاطاحة بنظام اوغو تشافيس الشعبي في فنزويلا. وقد اتهمهم تشافيس مؤخراً بمحاولة اغتياله، على غرار المحاولات العديدة التي تعرض لها من قبله الرئيس الكوبي فيديل كاسترو.

وفي موقع آخر من الخارطة العالمية، لا بد من الحديث عن التطور الذي طرأ على العلاقات الأميركية – الأوروبية، وهي علاقات تاريخية، سياسية واقتصادية واستراتيجية، قوية ومتداخلة بين الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية في الماضي، ومؤخراً مع دول أوروبا الشرقية، وخاصة تلك المنضوية الآن في إطار الاتحاد الأوروبي، الذي أصبح يضم منذ العام الماضي خمساً وعشرين دولة. فلا يمكن إغفال التغيير الذي طرأ على طبيعة هذه العلاقات بعد غياب الاتحاد السوفييتي، وانجراف الادارات الأميركية اللاحق، وخاصة الإدارة الحالية، لاتباع سياسة هجومية تفردية، غير عابئة بمواقف ومصالح دول أوروبية رئيسية . وهو ما تجلى بشكل واضح في موضوع الحرب على العراق... مع أن دول الاتحاد الأوروبي انقسمت في الموقف من الحرب ومن السياسات الأميركية العالمية الجديدة عموماً (من جهة، ألمانيا وفرنسا والسويد وبلجيكا، ولاحقاً اسبانيا بعد التغيير في الحكم فيها، وقفت ضد الانفراد الأميركي بالحرب... ومن جهة أخرى، بريطانيا وإيطاليا وبولندا ودول أصغر أيدت واشنطن وأرسلت قوات للمشاركة في الحرب). كما اتضح هذا التطور في العلاقات الأوروبية – الأميركية بشأن قضايا أخرى مثل قضايا البيئة والانحباس الحراري (بروتوكول كيوتو، الذي ما زالت واشنطن ترفض توقيعه)، وقضية المحكمة الدولية للجرائم ضد الانسانية، التي رفضتها الولايات المتحدة، بالإضافة الى قضايا أخرى تتعلق بالتجارة بين الطرفين.

ولا بد من الاشارة الى تطور هام شكّله اعتماد العملة الأوروبية الموحدة، اليورو، في مطلع القرن الجديد من قبل إحدى عشرة دولة من الاتحاد، لتصبح بعد ذلك عملة دولية قوية، تجاوزت بسرعة قيمة وقوة الدولار، ويمكن أن تنافس جدياً في مستقبل قريب هيمنة الدولار شبه الكاملة على الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية في القرن المنصرم. وهو ما يبدو أنه خطر تتلمسه الادارة الأميركية وتسعى جاهدة لمحاصرته. وليس بعيداً عن العوامل التي دفعت باتجاه الحرب على العراق قرار النظام العراقي في التسعينيات بالتعامل مع اليورو في مجال تسويق النفط بدلاً من الدولار.

هشاشة متزايدة للاقتصاد الأميركي..

ولا شك أن هشاشة النظام الاقتصادي الأميركي تتزايد في الآونة الأخيرة، مع الارتفاع الهائل للدين العام (أكثر من خمسمئة مليار دولار في نهاية العام 2004)، وتزايد العجز التجاري لغير صالح الولايات المتحدة، حيث بلغ هذا العجز 617،7 مليار دولار في العام 2004، وهو رقم قياسي، يزيد من مؤشراته الخطرة أن أكثر من ربعه هو مع دولة واحدة، هي الصين، حيث بلغ العجز في التبادل التجاري معها في العام المنصرم 162 مليار دولار، وهو أيضاً رقم قياسي لعجز أميركي مع دولة واحدة في مجمل تاريخ أميركا.

وكلها عوامل ساهمت في تراجع قوة الدولار في الأسواق العالمية، كما جعلت الاقتصاد الأميركي يعتمد بشكل متزايد على سلوك عدد من القوى ذات التأثير الكبير على الإقتصاد العالمي...بما في ذلك الصين، التي باتت تمتلك حصة كبيرة من سندات الخزينة الأميركية، وتستطيع، إذا أرادت، تهديد الاقتصاد الأميركي، لولا أن ذلك سينعكس عليها أيضاً سلباً. وكانت واشنطن تشكو باستمرار من اعتماد الصين لقيمة ثابته محددة للعملة الصينية (يوان) رافضة تعويمه على أساس نظام العرض والطلب. وبإمكان واشنطن أن تشكو الآن ليس فقط رفض الصين حتى الآن لطلبها هذا، وإنما توجهها لاستبدال تحديد قيمة اليوان مقارنة بالدولار باتجاه اعتماد سلة من العملات الدولية تتحدد قيمة اليوان بالاستناد إليها، بحيث تشمل، الى جانب الدولار، كلاً من اليورو والين الياباني. وهو ما سيزيد من مشاكل الاقتصاد الأميركي، في حين تحاول واشنطن، كما كانت تفعل مراراً، خاصة منذ مطلع السبعينات الماضية، تصدير مشكلتها الاقتصادية الى دول أخرى انطلاقاً من الدور المميز للدولار في الاقتصاد العالمي بعد العام 1945.

ونظرياً، بإمكان دول "أوبك" – منظمة الدول المصدرة للنفط – أن تحدث زلزالاً في الاقتصاد الأميركي إذا ما استبدلت اعتمادها الدولار في المعاملات النفطية باعتماد اليورو مثلاً، أو سلة متنوعة من العملات. ومن الواضح أن السياسة الأميركية الهجومية تسعى في ما تسعى إليه الى تفادي حصول مثل هذه التطور، حتى لو أتى من دولة أو دولتين من دول "أوبك"، مثل العراق سابقاً وفنزويلا حالياً.

ولا يعني كل ذلك أن الولايات المتحدة مهددة بالإنهيار الاقتصادي، ولكنه يعني أن قوتها الاقتصادية مرشّحة للتحجيم مع تنامي قوى وكتل اقتصادية أخرى في أنحاء العالم، ودورها في رسم وتحديد تخوم وقواعد النظام الاقتصادي العالمي مرشّح للتراجع.

الحلم الإمبراطوري الأميركي بـ"قرن أميركي آخر" مهدد بالتبخر

وهكذا، فإن الولايات المتحدة في عهد جورج بوش الإبن والتيار اليميني للحزب الجمهوري تخوض، في واقع الحال، حرباً متعددة الجبهات والأدوات في أنحاء العالم لمنع خسارة موقعها المتميز في قمة النفوذ العالمي، وهو مستوى من النفوذ والقوة الكونية لم يتحقق في الماضي البعيد والقريب لأية دولة أخرى. فامبراطوريات العصور القديمة (امبراطوريات حضارات النيل وما بين النهرين والصين القديمة... امبراطورية الاسكندر المقدوني... الامبراطورية الرومانية... الامبراطورية الفارسية... الامبراطورية العربية – الاسلامية... امبراطوريات مراحل اكتشاف الطرق البحرية الجديدة نحو الشرق الأقصى ونحو القارة الأميركية منذ أواخر القرن الخامس عشر)، هذه الامبراطوريات كانت في الواقع، بحكم مستوى التطور في وسائل النقل والسلاح آنذاك، تمتد على مساحات متقاربة جغرافياً وذات مدى محدود نسبياً بالإمكانيات على السيطرة على أصقاع متباعدة. في حين أن وسائل النقل والتقنيات الحالية أتاحت للقوة العسكرية الأميركية التحرك على امتداد خارطة الكرة الأرضية (وإن كان هذا التمدد لا يمكن أن يكون مفتوحاً، أو بدون قيود ومقاومة)، كما كان بإمكان الإقتصاد والتكنولوجيا والمعلوماتية الأميركية أن تفرض نفوذاً كونياً غير مسبوق من قبل دولة واحدة، بما في ذلك دول أوروبية رئيسية في القرون الأخيرة.

ورغم كل التطورات العلمية – التكنولوجية الهائلة، في القرن المنصرم خاصة، وكل الثورة التي أحدثتها المعلوماتية في شتى المجالات، والتي فجّرت الكثير من الطاقات والإمكانيات غير المرئية قبل ذلك، بما في ذلك في مجال غزو الفضاء، يبقى من المفيد الاستفادة من دروس وعبر التاريخ وقراءته بعمق وتأمل. فسواء كانت المحاولات الاسبانية والبرتغالية لاستعمار القارة الأميركية، مع بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى أصغر... أو سعي لويس الرابع عشر، وبعد ذلك نابليون بونابرت والمشاريع الاستعمارية الفرنسية، لبناء امبراطورية كونية فرنسية... أو محاولات بريطانيا، الأنجح، في معظم القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لبناء امبراطورية "لا تغرب عنها الشمس"... أو المغامرات الألمانية واليابانية الفاشلة في الحربين العالميتين في القرن الماضي لإرساء نفوذ كوني أو اقليمي واسع... كلها محاولات وصلت الى سقوف معينة لم تتمكن من تجاوزها، وخاصة تلك المتعلقة بتطلعات شعوب العالم، المتنامية في عصرنا، للدفاع عن مصالحها وحريتها وحقوقها إزاء أطماع الكبار والأقوياء.

وكما أن بونابرت لم يتمكن، بعد أن أقام امبراطوريته في مطلع القرن التاسع عشر، من أن يجعل من هذا القرن "قرناً فرنسياً" كما كان يبدو القرن السابع عشر... وكما أن بريطانيا التي سيطرت عملياً على معظم القرن التاسع عشر، بعد هزيمة بونابرت في واترلو عام 1815، وحافظت على تفوقها في مطلع القرن العشرين، لم تتمكن من جعل هذا القرن الجديد "قرناً بريطانياً" كما القرن التاسع عشر... فإن الولايات المتحدة، التي أظهرت تفوقاً وهيمنة واسعة بعد الحرب العالمية الثانية خاصة (وإن كان الاتحاد السوفييتي قد نافسها لبعض الوقت في الساحة العالمية الواسعة)، والتي دخلت القرن الحادي والعشرين وهي معبأة بعنجهية التفرد بالقوة الكونية وطموحات إدامته، لن تتمكن، وفق كل المؤشرات والمعطيات التي أشرنا الى بعضها من جعل القرن الحادي والعشرين "قرناً أميركياً" آخر، كما تمنى كلينتون، وسعى اليمين الأميركي المتطرف من بعده لضمان تحقيقه.

لا بل إن السياسات الإستباقية الحالية التي تتبعها إدارة جورج بوش الإبن يمكن أن ترتد عليها، فتزيد من الإضعاف، النسبي، للقوة الاقتصادية – العسكرية الأميركية، وتشحذ همم وطاقات شعوب العالم المختلفة لبناء عالم آخر، لا تحكمه عنجهية القوة والبطش، وانما حق كافة شعوب الأرض وحضاراتها المتنوعة في العيش بأمن وسلام وتطوير طاقاتها ومستويات معيشتها وبناء علاقات دولية لا تحكمها حسابات المصالح الأنانية لحفنة من الكتل الاقتصادية الكبرى، التي تجد غالباً في الحروب واستباحة حريات وحقوق وثروات الشعوب مجالاً تراه حتمياً لتجاوز أزماتها ومضاعفة ثرواتها على حساب حياة ورخاء غالبية البشر، وحريتهم الحقيقية في السيطرة على ثروات بلادهم ونتاج جهد أبنائها.

والأنكى حين يجري خوض هذه الحروب الجشعة والنهّابة تحت شعارات كاذبة ومضللة، مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، في وقت يجري فيه دوس الحريات والحقوق الفعلية والواقعية لشعوب عديدة على امتداد مساحة الأرض. *كاتب فلسطيني مقيم في رام الله – فلسطين داود تلحمي*

阿尔及利亚 阿拉伯联合酋长国 阿曼 阿拉伯埃及共和国 巴勒斯坦 伊拉克共和国 索马里共和国 毛里塔尼亚伊斯兰共和国 科摩罗伊斯兰联邦共和国 也门共和国 阿拉伯叙利亚共和国 突尼斯共和国 苏丹共和国 沙特阿拉伯王国 摩洛哥王国 大阿拉伯利比亚人民社会主义民众国 黎巴嫩共和国 科威特 卡塔尔 吉布提共和国 巴林王国 约旦哈希姆王国