【中阿社区】【旅游健康】【数字事实】【招商引资】【企业服务】【战略.研究】【投资委员会】【专题活动】【文化.教育】【经贸投资】【政治事务】【快讯】【首 页】
【الرئيسية】【أخبار واحداث】【شؤون سياسية】【تجارة وقتصاد】【مجلس التنمية】【ابحاث استراتيجية】【مؤسسات وخدمات】【أنشطة خاصة】【ثقافة وتعليم.】【فرص وعروض】【فيديو وصور】【سياحة وصحة】【الجالية العربية】
الموقع الحالي:منزل>دراسات استراتيجية>نص

الهوية الفلسطينية و اعتراف المجتمع الدولي

Date:2010-05-24

الهوية الفلسطينية و اعتراف المجتمع الدولي
د.نائلة القلقيلي*

سنلاحق في هذه الدراسة دور ومواقف كل من: الأمم المتحدة والدول الاشتراكية الثورية والجماعة الأوروبية وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية والولايات المتحدة الأمريكية.

* بحث مساند لأطروحة الباحثة للدكتوراة في العلوم السياسية
** باحثة وصحفية فلسطينية تقيم في موسكو

الأمم المتحدة
يرى البعض أن القضية الفلسطينية حظيت أكثر من غيرها من القضايا باهتمام غير أهلها, فتعرّضت لمشاريع واقتراحات عديدة لإقامة شكل من أشكال الكيان الفلسطيني, ابتداء من "الدولة العربية المستقلة" العادية على 48% من أرض فلسطين (حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181في 29\11\1947) وحتى "دولة للشعب الفلسطيني" على أقل من 20% من أرض فلسطين منزوعة السلاح متقطّعة الأوصال (حسب عامي ايالون رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية السابق)(1), مروراً بالفدرالية والكونفدرالية مع الأردن أو إسرائيل أو معهما معاً, والدولة ثنائية القومية مع إسرائيل. ومن دولة فلسطين الديمقراطية على كل فلسطين بعد تحريرها, كما طرحتها حركة فتح (2) إلى "اسراطين" (اسم منحوت من الجمع بين إسرائيل وفلسطين) كما طرحها الرئيس الليبي معمر القذافي في مؤتمر القمة العربي في عمان(28\3\2001) (3). ويرى هذا البعض أن ما قيل وكتب في هذا المجال, لو طبع بالحرف العادي على ورق ووصل ببعضه لغطّى كامل المنطقة التي يطالب بها الفلسطينيون أي المناطق المحتلة بعد 1967(4). رغم أن "الفتح والاستيلاء ليسا داخلين في برامج الحكومات الديمقراطية, ولا يتّفقان مع مذاهبها "(كما صرّح الرئيس الأمريكي ولسون في شهر كانون الثاني 1915), ورغم أن "غاية الاحتلال البريطاني هي تحرير فلسطين من النير التركي وإنشاء حكومة وطنية حرة فيها" (كما صرّح الجنرال اللنبي يوم دخوله القدس في29\12\1917), ورغم "أن بريطانيا تعترف بحق فلسطين وسورية والعراق والجزيرة العربية في الحرية والاستقلال وتكوين حكومات وطنية فيها" (كما أعلن لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا في خطاب ألقاه في اجتماع نقابات العمال البريطانية في 15\1\1918), رغم كل ذلك فإن"عصبة الأمم", التي أنشئت إثر الحرب العالمية الأولى, قد ابتدعت نوعا جديدا من الاستعمار أسمته "الانتداب".

وتحدد الفقرة الأولى من المادة 22 من "عهد عصبة الأمم" واجبات الدولة المنتدَبة (بفتح الدال) بأن تسدي النصح والمعونة لتمكين "الجماعات" تحت الانتداب من الاعتماد على نفسها بإقامة حكومتها الوطنية. واكّدت على أنه "يجب أن يكون لرغبات هذه الجماعات الاعتبار الأساسي في اختيار الدولة المنتدَبة(5). وبالإشارة إلى ما جرى في فلسطين منذ إقرار مجلس عصبة الأمم لصك الانتداب (24\7\1922) وحتى إنهائه (15\5\1948), يبدو وكأن عصبة الأمم ومن بعدها الامم المتحدة اعتبرتا "اليهود" هم الجماعات التي تشكّل سكان فلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى رغم انهم لم يشكّلوا في عام اندلاعها إلا 13% من السكان(6). فاليهود هم وحدهم الذين كان "لرغباتهم الدور الأساسي في اختيار بريطانيا لتكون الدولة المنتدَبة في فلسطين, لتتعاون مع الوكالة اليهودية في تنفيذ وعد بلفور الذي كان جزءاً أساسياً من صك الانتداب. وكانت قوانين الانتداب وإجراءاته لتمكين اليهود من إقامة دولتهم, سواء فيما يخص الهجرة والتدريب بكل أشكاله أو تمليك الأراضي.

وفي أيلول 1939 نشبت الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى تعطيل "عصبة الأمم". وحينما نشأت "منظمة الأمم المتحدة " سنة 1945 إثر الحرب العالمية الثانية, ورثت المنظمة الجديدة " القضية الفلسطينية "من عصبة الامم المنقرضة.

وقد كانت الأمم المتحدة أكثر الهيئات الدولية وضوحاً فيما يخص الكيان الفلسطيني. فقد كان قرار جمعيتها العامة رقم 181 في 29\11\1947 أول قرار , وربما الأخير, الذي طرح بشكل "واقعي" مسالة إقامة دولة عربية مستقلة في فلسطين, فاقترح تقسيم فلسطين إلى ثلاث "حالات كيانية", أعطاها الصفة القانونية والسياسية, بصفتها "شخصيّات معنوية", لكل منها سيادتها على جزء من فلسطين, ولكل جزء حدود تامّة حددها القرار بدقّة(7): منطقة القدس التي أبقاها تحت إشراف دولي, والباقي قسّمه إلى دولتين مستقلتين, إحداهما يهودية والأخرى عربية, ويجمعهما اتحاد اقتصادي(8). ونقصد بالواقعي أنه أخذ موازين القوى الدولية بعين الاعتبار, وطرح حدود هذه الدولة بدقّة, وطرح مكونات إقامتها وصيرورتها process والإجراءات اللازمة لذلك. ذلك القرار الذي كنت أتمنى لو اقتصرت رسالتي للدكتوراة عليه, والذي أدعو الأكاديميين والسياسيين أن يشجّعوا البحث فيه لاستخلاص العبر والدروس على مستوى المنطقة والعالم, حيثما وجدت منازعات قومية.

وصفنا هذا القرار بالواقعية ولم نصفه بالعادل لأنه أعطى اليهود حوالي 52% من أرض فلسطين لتكون دولة لهم رغم أنهم لم يكونوا في حينها يملكون أكثر من 6% من الأرض, ولا يشكّلون اكثر من 30% من السكان(9). وصفناه بالواقعية ولا نصفه بالجدية لأنه, ورغم جدّية اللجنة التي أعدته, لم يحظ بجدية الأمم المتحدة. فأعضاؤها الـ33 الذين أيدوا القرار لم يكونوا جادين في تنفيذه , ولعل عرّابته (أمريكا) لم تكن تنوي تنفيذه بل أرادته مدخلاً لإقامة دولة إسرائيل فقط, وكذلك أعضاؤها الـ13 الذين صوّتوا ضده (انتصاراً للشعب الفلسطيني) لم يكونوا جادّين في رفضهم, فقد كانت وما زالت ممارسا تهم تعطي إسرائيل أكثر مما أعطاها ذلك القرار حيث كانت إسرائيل يوم 4\6\1967 تقوم على أكثر من 80% من فلسطين. ولعل أعضاء الجمعية العامة الـ10 الذين امتنعوا عن التصويت هم الأكثر جدية, حيث تركوا الأمور "تجري في أعنتها" أي حسب ما تقودها الأحداث. وهنالك عامل أساسي آخر يؤكّد عدم جدية هذا القرار, وذلك أنه صادر عن الجمعية العامة ذات القرارات غير الملزمة ما لم يقرّها مجلس الأمن.

وبعد سنة ونصف تقريباً (11\5\1949), وفي ديباجة قرارها بقبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة, تذكّر الجمعية العامة بقرار التقسيم, وتأخذ علماً بالتصريحات والإيضاحات التي صدرت عن ممثل حكومة إسرائيل (أمام اللجنة السياسية الخاصة) فيما يتعلّق باستعداد إسرائيل لتنفيذ ذلك القرار(10).

وبعد أكثر من أربعة عقود, وفي ديباجة قرارها بالاعتراف بـ "إعلان دولة فلسطين الصادر عن المجلس الوطني في 15\11\1988" تعود الجمعية العامة للإشارة لقرار التقسيم, وتقرر أن تستعمل اسم "فلسطين" في أروقة الأمم المتحدة اعتباراً من 15\12\1988 بدلاً من تسمية "منظمة التحرير الفلسطينية" دون المساس بمركز المراقب للمنظمة ووظائفها في منظمة الأمم المتحدة, وفقا للقرارات والممارسات ذات الصلة(11).

وبعد قرار الجمعية العامة رقم 194 (في 11\12\1948) القاضي بعودة اللاجئين(12), ظلت هيئات الأمم المتحدة المختلفة تتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية لاجئين, او كقضايا الصراع الإسرائيلي مع جيرا نها من الدول العربية, أو كقضايا انتهاك إسرائيل للمقدسات ولحقوق الإنسان في المناطق المحتلة. وبقي ذلك كذلك حتى الدورة التاسعة والعشرين إثر حرب اكتوبر (1973) ودعوة ياسر عرفات لالقاء كلمة في الجمعية العامة, التي على إثرها صدر قرارا الجمعية العامة رقم 3236 ورقم 3237 (في 22\11\1974) يعترف الأول "بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف", ويمنح الثاني منظمة التحرير مركز مراقب في الأمم المتحدة وخصوصاً "الحق في تقرير مصيره دون تدخّل خارجي, والحق في الاستقلال والسيادة الوطنية". وتواصل الجمعية العامة للأمم المتحدة تصعيد اهتمامها في مسالة الكيان الفلسطيني, فتقرر في دورتها التالية (10\11\1975) إنشاء "اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف... تكون مهمتها التوصية للجمعية العامة ببرنامج لتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في العودة وتقرير مصيره في أرضه"(13)، (14). ويبرز ميلان ميزان القوى داخل الجمعية العامة لصالح حركات التحرير الوطني, فيصدر عنها القرار رقم 3379 (في 10\11\1975) الذي يعتبر أن "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري" والذي مزّقه مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة ساعة صدوره فوق منصة الخطابة في الجمعية العامة. [عبد الوهاب الكيالي ـ الموسوعة السياسية ـ الجزء الأول ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1990ـ بند الصهيونية.] ويزداد موقف الجمعية العامة وضوحاً حيال الكيانية الفلسطينية في قرارها (2\12\1977) إنشاء وحدة خاصة داخل الأمانة العامة للأمم المتحدة معنية بحقوق الفلسطينيين, واعتبار يوم 29\11 (ذكرى قرار التقسيم 1947) من كل عام يوماً عالمياً للتضامن مع الشعب الفلسطيني. كما أن الجمعية العامة صارت تأخذ بعين الاعتبار قرارات الهيئات الدولية التي تتمتع بها منظمة التحرير الفلسطينية بالعضوية الكاملة (حركة عدم الانحياز, ومنظمة مؤتمر الدول الإسلامية) . وقد وصلت الجمعية العامة إلى الحد الذي طلبت فيه من الولايات المتحدة (البلد المضيف) أن تمتنع عن وضع العراقيل في طريق بعثة "المراقب الدائم" لمنظمة التحرير الفلسطينية لدى الأمم المتحدة. وفي الدورة التالية (6\12\1988) دعت الجمعية العامة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط, وأدانت سياسات إسرائيل في الأراضي المحتلة وطالبتها بالانسحاب الكامل منها, وطلبت من جميع الدول وقف مساعدة إسرائيل, وأكدت ضرورة الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بقيادة م.ت.ف. في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. وكانت قد تجرأت فانتقدت اتفاقيات دولية, حيث اعتبرت (في 12\12\1979) أن "اتفاقات كامب ديفد باطلة من حيث ادعاؤها البتّ في مستقبل الشعب الفلسطيني" [قرارات الامم المتحدة]

وكما كانت القضية الفلسطينية تعرض على جدول أعمال الجمعية العامة كمشكلة "لاجئين" قبل حرب الأيام الستة (5\6\1967), وكمشكلة "الشرق الأوسط" ما بين حرب الأيام الستة وحرب أكتوبر (5\10\1973), صارت القضية تبحث تحت عنوان "عملية السلام" بعد مؤتمر مدريد (أكتوبر 1991), ذلك المؤتمر الذي مثل قمة إنجازات منظمة التحرير الفلسطينية في المجال الدولي خارج الأمم المتحدة وبداية خفوت صوت المنظمة في الأمم المتحدة التي صارت معظم قراراتها ليست ذات صلة مباشرة في "الهوية الوطنية والكيان السياسي", بل صارت أكثر اهتماماً بالمساعدات للفلسطينيين داخل الأرض المحتلة (بالتعاون مع منظمة التحرير الفلسطينية), وبإدانة تصرفات إسرائيل المخالفة لحقوق الإنسان واتفاقية جنيف حول سكان المناطق المحتلة, وحث الدول الأعضاء على نشر المعلومات ذات الصلة, فلقد أصبح دور الأمم المتحدة في هذا المجال هامشياً ولا يكاد يرى بالعين المجردة حيث أخلت موقعها لصالح الدور الأمريكي, وصارت الأمم المتحدة "تزاحم" لتحظى بموقع شاهد على الأقل. ففي مؤتمر مدريد (31\10\1991) في صالون الأعمدة, وتحت لوحة جداريه هائلة للرسام الأسباني كواردو جيانكويلو تمثل انتصار الإله "باخوس", جلس الأمين العام للأمم المتحدة كغيره من المدعوين على طاولة يترأسها (فعلياً) الرئيس الأمريكي بوش ويساعده الرئيس السوفييتي غورباتشوف ويديرها رئيس وزراء الدولة المضيفة فيلبي كونزاليس, ولم يحسّ أحد بأهمية حضور أو قول الأمين العام [حسين حجازي "الصراع الأوروبي على الشرق الأوسط" ـ قضايا فلسطينية العدد الأول خريف 1995ـ ص20]. وكذلك دورها في اللجنة الرباعية (أمريكا, الجماعة الأوروبية, روسيا, والأمم المتحدة) التي شكّلتها أمريكا في شهر حزيران 2002 واعتمدتها لملاحقة السلطة الفلسطينية في امتثالها للإصلاح ومقاومة الفساد والإرهاب حسب المقتضيات والمتطلبات الأمريكية ـ الإسرائيلية. وموقع ممثل الأمم المتحدة في هذه اللجنة يكاد يكون نائب ممثل أمريكا, كما وصفته إحدى الصحف الفلسطينية [جريدة الحياة الجديدة ـ رام الله 15\8\2002.]

ولقد أصرت إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة على تهميش دور الأمم المتحدة إذا لم يكن بالإمكان إلغاؤه تماماً. ومن الأمثلة على ذلك, لجنة التحقيق التي شكّلتها الأمانة العامة للأمم المتحدة للتحقيق في مجزرة مخيم جنين التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في نيسان 2002. واضطر الأمين العام للأمم المتحدة لتنزيل مستوى اللجنة من لجنة تحقيق إلى لجنة تقصّي حقائق طمعاً بالقبول الإسرائيلي ـ الأمريكي. وأصرّت إسرائيل على رفض هذه اللجنة, مما اضطر الأمين العام إلى إلغائها. ويُضطر (في1\8\2002) لخطوة ساذجة ومستهجنة بتقديم تقرير غيابي يعلن فيه أنه تم دون زيارة الموقع من قبل أي مسؤول من الأمم المتحدة, وينفي فيه وقوع مجزرة في مخيم جنين كما ذكرت السلطة الوطنية الفلسطينية وأكّدت كل وسائل الإعلام في حينه. ولقد أثار هذا التقرير استغراب جهات عديدة بما في ذلك بعض مؤسسات الأمم المتحدة كهيئة حقوق الإنسان [جريدة القدس العربي في4\8\2002]. ولم تتبنّاه الجمعية العامة في اجتماعها (5\8\2002), و إنما أخذت به علماً. وفي هذا الاجتماع, طالبت الجمعية العامة الجيش الإسرائيلي بالعودة لا إلى حدود قرار التقسيم رقم 181, ولا إلى حدود 4\6\1967, بل إلى مواقعه (في مناطق السلطة الفلسطينية) التي كان بها قبل أيلول 2000 (بداية انتفاضة الأقصى). ويؤكد القرار لاعلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, بل على الطابع الملحّ لتمكين المنظمات الطبية والإنسانية من الوصول في أي وقت وبلا أي قيود إلى "السكان المدنيين الفلسطينيين". ويطالب القرار لا بتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف, بل يطالب بتقديم المساعدات والخدمات الطبية الملحّة لمعالجة الوضع الإنساني الكارثي الذي يعيش فيه "السكان الفلسطينيون". وتؤيد الجمعية العامة في هذا القرار الجهود الرامية إلى إعادة بناء السلطة الفلسطينية, وإصلاح المؤسسات الفلسطينية, وتنظيم انتخابات حرة وديمقراطية [جريدة القدس المقدسية 7\8\2002]. ورغم ذلك فقد منعت إسرائيل ممثل الأمين العام للأمم المتحدة من الالتقاء مع ياسر عرفات في مقره المحاصر في رام الله, وكذلك فعلت مع العديد من ممثلي هيئات الأمم المتحدة, من هيئة حقوق الإنسان حتى الصليب الأحمر الدولي.

ويرى البعض أن الأمم المتحدة قد قتلت دورها وختمت مسيرتها في المجال الفلسطيني بسابقة ليس لها مثيل في تاريخ الهيئات الدولية حيث أصدرت الجمعية العامة (في 16\12\1991) قراراً يلغي قرارها السابق الذي اعتبر"الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية" [محمد رشاد الشريف-الأمم المتحدة والقضية الفلسطينية ـ مصدر سبق ذكره ص 53]. كانت الجمعية العامة هي الميدان الذي برزت فيه منظمة التحرير الفلسطينية مع مسألة "الهوية الوطنية والكيان السياسي" للفلسطينيين مدعومة بكامل أعضاء الجمعية باستثناء إسرائيل وأمريكا وواحدة أو اثنتين من دول الجزر التي لا تكاد ترى على الخارطة ولم تأت وسائل الإعلام على ذكرها قبل ذلك. أما في مجلس الأمن حيث تملك أمريكا حق النقض (الفيتو) والذي قراراته ذات أهمية أعلى من قرارات الجمعية, وملزمة ويمكن تنفيذها بالقوة, فقد كان الأمر مختلفا, فلم يصدر عنه إلا القرارات التي ترضى بها إسرائيل أو تكون في صالحها حسب الرؤية الأمريكية, مثل قرار مجلس الأمن في آذار 1994 الذي أدان مذبحة الخليل (الحرم الإبراهيمي) وذلك للتخفيف من لهجة أية حماية فعّالة للفلسطينيين في الأرض المحتلة, وبضع قرارات أخرى تعتبر المستوطنات غير شرعية, وعقبة في طريق أي حل سياسي, وتطالب إسرائيل بتفكيكها والتوقّف عن بناء مستوطنات جديدة [قرار رقم 446 لعام 1979, وقرار رقم 452 في نفس العام, وقرار رقم 465 لعام 1980], أو تعلن عدم اعتراف الأمم المتحدة بالتغييرات (القانونية أو الجغرافية) من طرف واحد على القدس [قرار رقم 252 لعام 1968, والقراران رقم 267 و271 لعام 1969, وقرار رقم 298 لعام 1971, وقرار رقم 478 لعام 1980], أو تدعو إسرائيل إلى احترام حقوق الإنسان في المناطق التي تأثرت بالنزاع في الشرق الأوسط [ قرار رقم 237 لعام 1967].

الجماعةالأوروبية
قبل حرب أكتوبر 1973 لم تفكر أوروبا بالشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير. أما فيما يخص اليهود, فقد اصدر نابليون بونابرت (في 20\4\1799) إعلاناً دعاهم فيه للانضواء تحت لوائه "من أجل إعادة تأسيس أورشليم القديمة" [مروان البرغوثي "العلاقات الفرنسية-الفلسطينية " أكاديمية المستقبل للتفكير الإبداعي رام الله 1999ـ ص22], وأعطاهم جولز كامبو (سكرتير وزارة الخارجية الفرنسية) في النصف الأول لعام1917 رسالة موجّهة إلى سوكولوف (ممثل الحركة الصهيونية في فرنسا) تعد "بتنمية الاستعمار اليهودي في فلسطين... وبعث القومية اليهودية في تلك البلاد, بشرط ضمان استقلال الأماكن المقدسة" [المصدر السابق ص24] وأعطاهم اللورد ارثر بلفور (وزير خارجية بريطانيا) في 2\11\ 1917 رسالة موجّهة إلى اللورد روتشيلد تعد "بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين... شرط عدم الإخلال بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين" [الموسوعة الفلسطينية الجزء الأول ص415]. الرؤية الأوروبية للشعب الفلسطيني تحددت أساسا بالرؤية الصهيونية التي تدرّجت في عدة مراحل حسب المقتضيات الصهيونية, منذ نشوئها وحتى يومنا هذا. فبدأت قبل الانتداب بأن فلسطين أرض بلا شعب, فالعرب"المقيمون" فيها هم بعض البدو الرحّل. وعندما ظهر "الشعب الفلسطيني" في مقاومته للهجرة اليهودية والاستيطان والتهويد, نعتت الصهيونية الفلسطينيين بأنهم متوحّشون لا يفهمون إلا لغة القوة والحسم من قبل سلطات الانتداب والوكالة اليهودية المتعاونتين (بحكم صك الانتداب). وعندما ظهرت بعض ملامح تفاهم بين سلطات الانتداب وبعض الشخصيات الفلسطينية في الثلاثينات قال الإعلام الصهيوني إن الفلسطينيين متخلّفون فلا يستحقّون استقلالاً في الأرض المقدّسة. وفي الحرب العالمية الثانية صوّر الفلسطينيون انهم مدعومون من النازية الألمانية فهم حلفاء للرايخ الثالث. وبعد قرار تقسيم فلسطين قالوا عن الفلسطينيين إنهم ضد استقلال الشعب اليهودي ويريدون أن يرموا اليهود في البحر الأبيض المتوسط. وعندما قامت منظمة التحرير الفلسطينية (مدعومة من جمال عبد الناصر المدعوم من الاتحاد السوفييتي) قيل عنها أنها تبثّ الشيوعية في المنطقة وتريد إقامة دولة تابعة للسوفييت تشكل خطراً على الغرب عموماً . وعندما لاحت ملامح تفهّم ما بين المنظمة وبعض الدول الغربيّة وخاصة الجماعة الأوروبية,قيل إنها منظمة إرهابية تسعى لتدمير إسرائيل (الإنجاز الوحيد المشرق للحضارة الغربية في الشرق الأوسط). وأما بعد قيام السلطة الفلسطينية (حسب الاتفاق مع إسرائيل في أوسلو) صارت إسرائيل تصورها متطرّفة دينياً مثل بن لادن أو الملاّ عمر (أمير المؤمنين في أفغانستان). وعندما أعلنت السلطة الوطنية معارضتها الصريحة لابن لادن وحلفائه في أفغانستان، وتبرّع الرئيس عرفات بدمه لضحايا برجي نيويورك التوأمين الذين سقطوا في11\9\2001, وسمت السلطة الوطنية الفلسطينية على أنها مبنية على الفساد "من أخمص قدمها حتى مفرق رأسها", ولا يجوز تمكينها من إقامة الدولة الفلسطينية لأنها غير ناضجة لذلك, ويجب حصر نشاطها ودور الداعمين والمانحين لها في إصلاح فسادها ومطالبتها بمقاومة "الإرهاب" الفلسطيني ضد الإسرائيليين "الأبرياء" سواء كانوا مستوطنين أو مدنيين أو جنودًا في الحافلات والأماكن المدنية, وذلك لتأهيلها لتكون شريكا "صالحا" لإسرائيل. في إطار النقد لحرب 1973 التي خاضتها مصر وسوريا ضد إسرائيل, وصفها البعض بأنها "حرب تحريك وليست حرب تحرير". أما عند الحديث عن مسالة "الهوية الوطنية والكيان الفلسطيني", فإن أعظم إيجابيات تلك الحرب أنها كانت "حرب تحريك", إذ فتحت آفاق النضال السياسي في الأرض المحتلة, وفتحت الأروقة الدولية أمام منظمة التحرير الفلسطينية. فقبل حرب أكتوبر هذه كانت علاقات المنظمة على الصعيد الرسمي في الدول غير العربية محصورة ضمن الدول التي تدعم العنف السياسي وتعتبر أن "السياسة تنبع من فوّهة البندقية" كالصين وفيتنام الديمقراطية (الشمالية) وكوريا الشمالية وكوبا, كما سيأتي ذكره. وعلى صعيد القوى السياسية كانت مع اليسار الجديد و"الجيفاريين في المعسكر الغربي.أما في المعسكر الشرقي السوفييتي, فقد كانت علاقاتها الرسمية والشعبية هامشية, كما سيأتي ذكره أيضاً.

كانت أوروبا قبل عام 1967 (غرباً وشرقاً) لا ترى أن هنالك "شيء" إسمه شعب فلسطين, فكل ما كانت تراه من مشكلته هي مشكلة اللاجئين, الذين كانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونوروا) التابعة للأمم المتحدة تدير شئونهم وترعاهم. كانت أوروبا لا تحس تجاه الشعب الفلسطيني بأية مسؤولية, وتضع كل ثقلها مع أمريكا إلى جانب إسرائيل سياسياً واقتصادياً وثقافياً وسياحياً. وتغيّر الوضع قليلاً في أوروبا الشرقية بعد عام 1956 حيث اشتركت فرنسا وبريطانيا مع إسرائيل في "العدوان الثلاثي" الذي أدى إلى احتلال قطاع غزة وسيناء ومنطقة السويس المصرية. وهذا التغير لم يكن باتجاه الشعب الفلسطيني و"هويته الوطنية وكيانه السياسي", بل كان باتجاه الجانب العربي الرسمي عموماً وجمال عبد الناصر خصوصاً في مسالة الصراع العربي الإسرائيلي. هذا التغير لم يصل إلى درجة العداء لإسرائيل وان ضغطت لانسحابها من قطاع غزة وسيناء، وقد انسحبت إسرائيل, ولكن بفعل الطلب الأمريكي المباشر.

ونتيجة لحرب 1967 فقد حصل تغير في الموقف الأوروبي عموماً حيال إسرائيل, وإن كان بدرجات مختلفة. فأوروبا الشرقية قطعت علاقاتها الدبلوماسية معها, واصرت على انسحابها من "الأراضي العربية" (الأردنية والسورية والمصرية) التي احتلتها. أما أوروبا الغربية فقد انزعجت قليلا من بدء إسرائيل بالحرب, وخاصة فرنسا. فكانت حرب 1967 بداية الفرز بين المعسكرين الشرقي والغربي الواضح فيما يخص مسالة الصراع العربي الإسرائيلي وليس فيما يخص المسالة الفلسطينية من الهوية الوطنية والكيان السياسي, حيث اعتبرت أوروبا بجناحيها (الشرقي والغربي) أن إسرائيل احتلت أراضى ثلاث دول عربية (مصر وسوريا والأردن). ورغم أن قطاع غزة لم تزعم مصر انه جزء من أراضيها كما فعلت الأردن مع الضفة الغربية, إلا انه لم يأت في مفردات السياسة الأوروبية (شرقاً وغرباً) انه أراض فلسطينية محتلة إلا بعد حرب أكتوبر. فكان من الطبيعي, والحالة هكذا, أن لا يكون الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية وكيانه السياسي من الاهتمامات الأوروبية. ولكن الوضع تغير قليلاً أيضا بعد بروز منظمة التحرير الفلسطينية قوة سياسية في الساحة العربية وكعمل فدائي مقاوم للاحتلال الإسرائيلي, وبدأت تنسج بعض العلاقات مع اليسار الجديد في أوروبا الغربية, وفتحت بعض القنوات مع الاتحاد السوفييتي عن طريق جمال عبد الناصر الذي الحق ياسر عرفات بوفده إلى موسكو(في شهر آب 1968) مستشاراً للوفد , وضغط حتى تمّت لقاءات معه في قسم "حركات التحرر الوطني العالمية"في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي [محمد حسنين هيكل "سلام الأوهام" دار الشروق-القاهرة-الطبعة السادسة 20\1\2000 ص22]

بدأت "الجماعة الأوروبية "تنظر إلى "مشكلة الشرق الأوسط",بالإضافة لكونها مشكلة حدود وأراض محتلة بين إسرائيل وجيرانها من الدول العربية (مصر والأردن وسوريا), بأنها مشكلة "سكّان معنيين" في تلك المناطق.بدأت هذه النظرة منذ وثيقة باريس المرتبط اسمها بمقترحها" "موريس شومان" وزير خارجية فرنسا في اجتماع وزراء خارجية الجماعة في 11\5\1971.اقترحت تلك الوثيقة,بالإضافة لعودة اللاجئين حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 وتدويل القدس والأماكن المقدسة, إجراء "استفتاء بين السكّان المعنيين" ويكون ذلك بموافقة "الدول المعنية" [الصحيفة الإسرائيلية يديعوت احرونوت في21\5\1971].

وبعد حظر النفط العربي (17\10\1973) تطورت نظرة الجماعة في بيان وزراء خارجيتها (6\11\1973) إذ قرنت حرصها على وجود وأمن وتطور إسرائيل (لأول مرة) بأخذ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بعين الاعتبار [محمد خالد الأزعر "الجماعة الأوروبية والقضية الفلسطينية" ـ دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية-عمان الطبعة الأولى 1991 ص151].

بدأت الجماعة الأوروبية تدرك أن هنالك حقوقاً وهوية للشعب الفلسطيني, ولكنها لم تصل إلى اتفاق حول "من يمثّل هذه الحقوق ويعبّر عن تلك الهوية",فقد رفضت اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية في الحوار العربي الأوروبي رغم اعتراف الجامعة العربية بأنها(أي المنظمة) هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, ورغم أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قررت الاعتراف بها أيضا, وكانت فرنسا وإيرلندا وإيطاليا قد صوتت لصالح ذلك القرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتحايل الطرفان على هذه الأزمة(أزمة مشاركة منظمة التحرير)بأن توصلوا لاتفاق (في نيسان1975) بأن تشارك منظمة التحرير ضمن وفد يمثل الجامعة العربية ككل مقابل وفد يمثل الجماعة الأوروبية, وكان الوفد الفلسطيني (أو من يمثله)هو المتحدّث الرسمي باسم الوفد العربي المشترك [احمد صدقي الدجاني"الحوار العربي الأوروبي" معهد البحوث والدراسات العربية-القاهرة 1976 ص27].

وكانت بداية التحديد للحقوق الفلسطينية عند الجماعة الأوروبية في الكلمة التي ألقاها ممثل إيطاليا باسم الجماعة في الجمعية العامة للأمم المتحدة (في 30\12\1975).فرغم انه لم يأت على ذكر منظمة التحرير الفلسطينية,إلا أنه قال: "بحق الشعب الفلسطيني في التعبير عن هويته الوطنية "
{European political co-operation op.cit.P.84, 85}

وإن كان الرئيس الفرنسي " جيسكار ديستان" قد سبق " الجماعة" في هذا المجال حيث أعلن في مؤتمره الصحفي في (24\10\1974) في باريس بضرورة "تمكين الشعب الفلسطيني من التصرف في وطن يقع في الأراضي التي ستنسحب منها إسرائيل" [الموسوعة الفلسطينية ـ الجزء الثالث ص448 بند فرنسا].

وخطت الجماعة الأوروبية خطوة للأمام في مجال الكيان الفلسطيني وهويته الوطنية في البيان الصادر عن " التعاون السياسي الأوروبي"(في شهر حزيران 1977) والذي عرف ببيان لندن ونصّ على أن "الدول التسع مقتنعة بأن حلّ النزاع (العربي الإسرائيلي) لن يصبح ممكناً إلا إذا استطاع الشعب الفلسطيني أن يترجم حقّه المشروع في التعبير عن هويته الوطنية إلى واقع, وذلك سيؤدي بالضرورة إلى إقامة وطن للشعب الفلسطيني" [محمد خالد الأزعر "الجماعة الأوروبية والقضية الفلسطينية" مصدر سبق ذكره ص168]. ولعلّ إقامة هذا الوطن هو " التعبير الفعّال عن الكيان الوطني للشعب الفلسطيني " الذي قصده مندوب هولندا في الأمم المتحدة في كلمته نيابة عن دول الجماعة (في 8\12\1976) [المصدر السابق ص 168].

وظل موقف الجماعة غائماً فيما يخص الهوية الوطنية الفلسطينية والكيان الفلسطيني, حيث رأوه وطناً دون تحديد مكانه وحدوده وزمانه وشكله. فعندما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن "اتفاقات كامب ديفد باطلة من حيث ادعائها البتّ في مستقبل الشعب الفلسطيني"(12\12\1979) لم تصوت لصالح هذا القرار من دول الجماعة إلا اليونان, وصوت البعض ومنهم بريطانيا ضده, وامتنع البعض الآخر عن التصويت ومنهم فرنسا وإيطاليا. ورغم آن هيلموت شميدت (مستشار ألمانيا الغربية) ذكر ذات مرة في خطاب له (21\6\1978)أن "للشعب الفلسطيني حق في تشكيل دولة" [الموسوعة الفلسطينية الجزء الثالث ص 284] إلا أن موقف الجماعة بقي على حاله حتى بيان البندقية (13\6\1980) الذي أعلنت فيه أنه "يجب تمكين الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير بصورة كاملة عن طريق عمل ملائم يجيء في إطار سلام شامل" {Eur0pean political co-operation op.cit.P205}

وموقف الجماعة الأوروبية صار القاعدة التي تنطلق منها مواقف الدول الأعضاء حتى عندما تكون أكثر تحديداً للهوية الوطنية والكيان الفلسطيني كما كان الحال من فرنسا عندما أعلن رئيس الجمهورية(ميتران) أمام الكنيست الإسرائيلي أثناء زيارته لإسرائيل في آذار 1982 أنه "لا يجوز أن يطلب من الفلسطينيين التنازل عن الهوية والأرض, فلهم الحق في إقامة دولة لهم في المناطق المحتلة, بشرط أن يحترموا حقوق الدول الأخرى ويتّبعوا الحوار بدلاً من العنف" [صحيفة دافار الإسرائيلية 10\3\1982]. ونستطيع القول أن موقف ميتران هذا هو الدالّة في مواقف وقرارات الجماعة الأوروبية منذئذ وحتى اليوم.ففي بروكسل (29\6\1982) صدر بيان وزراء خارجية الجماعة, إثر اجتياح إسرائيل للبنان وحصارها لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت, أعلنوا فيه " حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بكل ما يتضمن ذلك من معنى" [د.نادية محمود مصطفى"أوروبا والوطن العربي"-مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت1986 ص 149]. وبصعود تاتشر للحكم في بريطانيا, وريغن في أمريكا, والتحالف بينهما, بدأت أوروبا تتجه "للذيلية" الأمريكية, فشهدت مواقفها تذبذباً جديداً حيال "الهوية الوطنية والكيان الفلسطيني", فمنظمة التحرير الفلسطينية هي ممثل للشعب الفلسطيني ولكنها ليست الممثل الوحيد, وإن المنظمة طرف معني بتسوية الشرق الأوسط والمسالة الفلسطينية على أساس الاعتراف المتبادل مع إسرائيل والتخلي عن الكفاح المسلح. ولكن هذا الموقف يعكّر صفو الحوار العربي الأوروبي, فجاء الحوار الفلسطيني الأردني, الذي توّج باتفاق عمّان(11\2\1985), إنقاذاً للجماعة الأوروبية من هذا المأزق. ولذلك سارعت الجماعة في بيان لوكسمبورغ (29\4\1985) بالترحيب باتفاق عمّان [د.مروان عبدو "القضية الفلسطينية في أروقة الأمم المتحدة " [شئون فلسطينية ـ العدد 148\149 تموز\اب 1985 ص12]. وشذّ عن الجماعة دولتان هما إيطاليا واليونان, فرئيس وزراء الأولى "بتينو كراكسي" أيد مبدا الكفاح المسلح الفلسطيني مذكّرا بقرارات الأمم المتحدة التي اعترفت بهذا المبدأ, وشبّه النضال الفلسطيني بنضال "ماتزيني" زعيم الوحدة الإيطالية [صحيفة دافار الإسرائيلية 7\11\1985]. أما رئيس وزراء اليونان, فقد رأى ضرورة التفريق بين الإرهاب وبين النضال الفلسطيني [صحيفة الرأي الأردنية 31\5\1986].

وبدأت أوروبا تضيق ذرعا بالاحتكار الأمريكي للمنطقة, وصارت تتململ من "ذيليّتها" لأمريكا خاصة في موضوع "الشرق الأوسط"الأقرب والأكثر تأثيراً على أوروبا, فالحرب وعدم الاستقرار هناك يؤذيها أكثر من أمريكا, وخاصة بعد إعلان الاستقلال في المجلس الوطني الفلسطيني (15\11\1988)الذي تضمّن القبول الواضح والصريح وغير المحدود لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 وقراري مجلس الامن 242 و338 والاعتراف بإسرائيل وحقها في الوجود, فتحدى المقر الأوروبي للأمم المتحدة مقرها الدائم في نيويورك, حيث انتقلت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى جنيف (13\12\1988) لتستمع إلى خطاب ياسر عرفات, الذي رفضت أمريكا منحه تأشيرة دخول إلى نيويورك [محمد حسنين هيكل"سلام الأوهام "دار الشروق القاهرة-الطبعة السادسة 20\1\2000 ـ ص211]. وفي استكهولم عاصمة السويد, كان تجاوز آخر لأمريكا حيث احتضنت (في 6\12\1988) لقاءات لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها المعبّر عن الهوية الفلسطينية مع قيادة اللوبي اليهودي في أمريكا (أو المؤسسة كما يسميها محمد حسنين هيكل), تلك اللقاءات التي رتّبها وزير خارجية السويد بتوجيه من الدولية الاشتراكية [المصدر السابق ص212]. وقررت بعض الدول الأوروبية (واهمها إيطاليا وفرنسا) التقدم خطوة باتجاه "الهوية الفلسطينية والكيان السياسي" بأن رفعت مستوى تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية لديها إلى مرتبة "مفوّضية". وشكّلت أوسلو الاختراق الأوروبي الأهم للجدار الأمريكي حول مسالة الهوية الوطنية والكيان الفلسطيني, حيث تمت الخطوات التاسيسية لمسيرة الحكم الذاتي برعاية نرويجية, وكانت بدايتها بسرية تامة حتى عن أمريكا وأصدقائها في المنطقة. ففي حين كانت أمريكا تحاول, دون جدوى, أن تليّن موقف الوفد الفلسطيني المعتصم في " كرادورات" وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن, كان في ضواحي أوسلو وفد فلسطيني آخر بأمر من ياسر عرفات, وبرعاية وزير خارجية النرويج, يخطو خطوات مهمة في نفق مسيرة السلام باتجاه الاتفاق مع وفد إسرائيلي بتوجيه مباشر من شمعون بيريز وزير خارجية إسرائيل وبعلم اسحق رابين رئيس وزرائها. ولكن ذلك النفق الأوروبي أفضى إلى البيت الأبيض في واشنطن حيث تم في ساحته الخضراء توقيع اتفاقية أوسلو. لم يكن للجماعة الأوروبية حضور مميز في مهرجان ذلك التوقيع باستثناء وزير خارجية النرويج باعتباره القابلة التي استولدت ذلك الوليد. ولكن أوروبا واصلت دورها البارز في المسارات "متعددة الأطراف" المنبثقة عن مؤتمر مدريد ذات الطابع الاقتصادي.

وإصراراً من الجماعة الأوروبية على لعب دور هام في الشرق الأوسط ومفتاحه (الكيان الفلسطيني),فقد لجأت إلى الميدان الذي تتفوق فيه على أمريكا, من حيث الفعّالية, ألا وهو المجال الاقتصادي, فبعد أن قلّت أهمية مسار "متعدد الأطراف" المنبثق عن مؤتمر مدريد, صار الاتحاد الأوروبي أكبر مانح مالي للكيان الفلسطيني الوليد الخدّج (الحكم الذاتي المحدود),حيث بلغ إجمالي مساعدات الاتحاد الأوروبي عام 1994 فقط (عل سبيل المثال) 207 مليون اكيو ,أي ما يعادل 273 مليون دولار أمريكي, وشملت تلك المساعدات مجالات عدة. وما كانت الجماعة الأوروبية لترضى أن تبقى ك"وكالة دولية للتامين الاجتماعي", فقررت (وبتشجيع من الأطراف العربية بما فيها السلطة الوطنية الفلسطينية), ورغم معارضة إسرائيل, (في النصف الأول من عام 1996) تعيين مبعوث خاص للاتحاد الأوروبي لمتابعة التطورات في المنطقة. [اريان الفاصد "التدخّل الأوروبي في فلسطين, اهو سياسي أم مالي؟" ـ السياسة الفلسطينية العدد 17 شتاء 1998 ص243]. ورغم العقبات التي وضعتها إسرائيل في طريق هذا المبعوث والوفود الأوروبية لمناطق الحكم الذاتي إلا انه ثبّت الموقف الأوروبي حيال السلطة الفلسطينية سواء في النشاطات في المقرات الفلسطينية الرسمية أو في "بيت الشرق" في القدس الذي ظلّ الأوروبيون يعتبرونه أحد مقرّات السلطة الفلسطينية والمعبّر عن الهوية الفلسطينية حتى اجتاحته القوات العسكرية الإسرائيلية و أغلقته (في النصف الأول من شهر آب 2001). وإن جولات سولانا (مسؤول الأمن والعلاقات الخارجية في الجماعة الأوروبية) المكوكية في المنطقة, في النصف الأول من عام 2002, وضمن الظروف الصعبة والمعقدة, تذكّرنا بجولات هنري كيسنجر قبيل اتفاقيات كامب ديفد. ورغم الدعم الكبير الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي للسلطة الوطنية الفلسطينية إلا انه ما زال ملتزماً بالشرط الإسرائيلي في أوسلو الذي يمنع السلطة الفلسطينية من ممارسات سيادية كعقد اتفاقيات مع دول أخرى غير إسرائيل.ولذلك فكل الاتفاقيات مع الدول الأوروبية منصوص بها أنها بين الدولة المعنية ومنظمة التحرير الفلسطينية لصالح السلطة الفلسطينية.

الدول الاشتراكية الثورية
كانت جمهورية الصين الشعبية, منذ قيامها (أكتوبر 1949) تلتزم بمقاومة الإمبريالية والاستعمار والتمييز العنصري في كل مكان. ولذلك, ورغم أن الدول العربية جميعها (آنذاك) رفضت الاعتراف بها, وأبقت علاقاتها مع "الصين الوطنية", إلا أن الصين الشعبية رفضت قبول رسالة التهنئة والاعتراف التي سارعت إسرائيل بإرسالها إلى بكين. وكان الرد الصيني قاسياً بقولها إنها لا تقبل تهنئة من قاعدة متقدمة للإمبريالية. وكانت أجهزة الإعلام في جمهورية الصين الشعبية تروّج داخلياً وخارجياً لشعار زعيمها ماو تسي تونغ أن "السياسة تنبع من فوّهة البندقية", وكانت تدعم بفعّالية حركات التحرر الوطني وخاصة التي ترى أن الكفاح المسلح هو الأسلوب الأساسي للتحرير إن لم يكن الوحيد. ولذلك كانت الداعم الأهم للثورة الجزائرية (54 ـ 1962).

ومن خلال تفاهم بين "مكتب فلسطين" (ممثلية حركة فتح في الجزائر) والسفارة الصينية لدى الجزائر, استقبل الحزب الشيوعي الصيني وفدا من حركة فتح قبيل انطلاقتها المسلحة, وترتّبت له زيارة أيضا لكل من جمهورية فيتنام الشمالية وكوريا الشمالية. واعترفت الصين رسميا بمنظمة التحرير الفلسطينية منذ قيامها (1964), وافتتحت لها ممثلية دبلوماسية بمرتبة مفوّضية التي بقيت الممثلية الدبلوماسية الوحيدة للمنظمة خارج الوطن العربي حتى عام 1974. ولكن الحزب الشيوعي الصيني احتفظ بعلاقة موازية مع حركة فتح, باعتبارها تعتقد, وتمارس على أساس هذا الاعتقاد, الكفاح المسلح كطريق وحيد للتحرير من الاستعمار, وان هذا الطريق هو الأكثر تعبيراً عن "الهوية الوطنية للشعوب التي ترزح تحت الاستعمار أو النفوذ الإمبريالي". ودامت هذه العلاقة المتوازية أربع سنوات, أي حتى دخلت المنظمات الفدائية منظمة التحرير الفلسطينية (1968), واضطلعت حركة فتح بقيادة المنظمة, فتوحد المتوازيان, وصار (منذ عام 1969) ممثل المنظمة في الصين أحد الكوادر الهامة في حركة فتح [عبد القادر ياسين "الصين والدولة الفلسطينية " صامد الاقتصادي العدد118 تشرين أول 1999 ص 55].

ومن الجدير ملاحظته أن الصين الشعبية التزمت بالمقاطعة العربية لإسرائيل "من الدرجة الأولى", أي مقاطعة البضائع الإسرائيلية دون مقاطعة بضائع الشركات التي تتعاون مع إسرائيل. وحافظت على هذا الالتزام حتى مؤتمر القمة العربي في فاس (أيلول 1982) الذي اقرّ (بموافقة منظمة التحرير) مبادرة سلمية تستند إلى قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل [المصدر السابق ص54].

بقيت الصين الشعبية حتى حرب أكتوبر (1973) الداعم الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية (خارج الدول العربية) حيث قامت بتدريب العديد من ضباطها وكوادرها السياسية, وقدّمت لها مساعدات كثيرة في مجال التسليح واللوازم الأخرى. أما فيما يخص "الهوية الوطنية والكيان السياسي" فقد وقفت إلى جانبها بشدة. ولأن الصين الشعبية كانت خارج الأمم المتحدة, وعلاقاتها الدبلوماسية الرسمية محدودة, فقد كان دورها في في هذا المجال محدوداً على الصعيد الدولي, ولكنها عوّضته بإعطاء تقدير عال لبعثة منظمة التحرير الفلسطينية الدبلوماسية ولرئيس البعثة الذي كانت الصين تضعه على منصة الشرف في كل الاحتفالات الرسمية والشعبية التي تدعو لها الدبلوماسيين في بكين. وكان ممثل منظمة التحرير مقيماً في بكين وممثلاً على نفس المستوى ولكن غير مقيم في كل من فيتنام وكوريا الشماليتين. وعندما استعادت الصين الشعبية مقعد الصين في الأمم المتحدة (خريف 1971), سارعت إسرائيل, مرة أخرى بإرسال رسالة تهنئة لحكومة الصين الشعبية و أبدت استعدادها لقطع علاقاتها بجمهورية فرموزا و إقامتها مع الصين الشعبية. وكان الرد الصيني مشابها للمرة الأولى ولكن بصيغة أقل حدّة, حيث قالت في الرد أنها (أي الصين الشعبية) تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني, ولا تقبل إقامة علاقات مع طرف يحتل أراضي الشعب الفلسطيني ويرفض السماح له بممارسة حقه في العودة وتقرير المصير. وأول فيتو(حق النقض) استعملته الصين الشعبية في مجلس الأمن كان في ايلول 1972 لإحباط مشروع قرار أمريكي لإدانة "الإرهاب الفلسطيني" ضد إسرائيل وخاصة حادثة اختطاف الفريق الرياضي الإسرائيلي في الأولمبياد العالمي في ميونخ. وقد علل المندوب الصيني هذا النقض بان هنالك فرق بين الإرهاب والكفاح المسلح لتحرير الأوطان المحتلة [مقابلة خاصة مع ممثل م.ت.ف. لدى الصين الشعبية]. وشيئا فشيئا صار موقف الصين الشعبية, فيما يخص مسالة "الكيان السياسي الفلسطيني وهويته الوطنية" وسبل إنجازه, معتدلاً ويقترب من مواقف دول العالم الثالث الأخرى, وذلك بفعل عوامل عديدة: تهيؤ الصين لتلعب دور الدولة العظمى, وانتصار التيار المعتدل في منظمة التحرير الفلسطينية و إقرار برنامجها المرحلي, وابتعاد المنظمة وفصائلها باتجاه الاتحاد السوفييتي بعد حرب 73. وصار المسؤولون الصينيون يصرّحون انهم على استعداد للاعتراف بإسرائيل إذا انسحبت من الأراضي العربية التي احتلتها في حرب 67 وأقلعت عن سياستها العدوانية واعترفت بحقوق الشعب الفلسطيني. لم تقف الصين الشعبية إلى جانب م.ت.ف. و"جبهة الصمود والتصدّي" العربية ضد اتفاقيات كامب ديفد لأنها رأت بها جوانب إيجابية ألا وهي انفلات مصر من النفوذ السوفييتي.

وما أن انتهت الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدريد حتى قام وزير الدفاع الإسرائيلي (مطلع تشرين ثاني 1991) بزيارة بكين, وبُعيد ذلك زار وزير خارجية الصين إسرائيل ليوقّع (في 24\1\1992) بروتوكولاً يقضي بإقامة علاقات دبلوماسية بينهما [عبد القادر ياسين "الصين والدولة الفلسطينية" مصدر سبق ذكره ص58]. وبدأ الدعم الصيني لمنظمة التحرير الفلسطينية يتراجع حتى صار لا يكاد يرى بعد إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية في غزة والضفة الغربية رغم وجود سفارتين للصين الشعبية, إحداهما في تل أبيب والثانية لدى السلطة الفلسطينية في غزة.

كانت كل من جمهورية فيتنام الديمقراطية(الشمالية) منذ إعلانها (1954), وجبهة التحرير الوطني الفيتنامية (الفيت كونغ) منذ إنشائها (1960) على علاقات عداء متبادل مع إسرائيل. ولذلك, في حين كان في هانوي (عاصمة الشمال) عدد من كوادر م.ت.ف. يتدربون على حرب العصابات ومقاومة الاحتلال وإنشاء المؤسسات والقواعد الارتكازية في مناطق القتال, كان في سايغون (عاصمة الجنوب) الجنرال موشي دايان يطّلع على خبرة القوات الأمريكية والنظام الفيتنامي الجنوبي المتعاون معها في مقاومة حرب العصابات. وكانت كل من حكومة فيتنام الديمقراطية و"الحكومة الثورية المؤقتة لجنوب فيتنام" التي أنشئت عام 1969 تعترفان رسمياً بـ م.ت.ف. ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني, وتقيمان لها مفوضية دبلوماسية رسمية على قدم المساواة مع البلدان المستقلة التي تقيم معهما علاقة دبلوماسية. وفي أواخر نيسان 1974 قدم أول ممثل مقيم لــ م.ت.ف. لدى جمهورية فيتنام الديمقراطية أوراق اعتماده, وهو نفسه قدم أوراق اعتماد جديدة في شهر تموز 1976 كممثل للمنظمة لدى "جمهورية فيتنام الاشتراكية" التي أعلنت بعد تحرير الجنوب وتوحيد فيتنام.

وبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفد (نيسان 1979) أعلنت "فيتنام الاشتراكية " (حزباً وحكومة وشعبا), "أنها وهي ترى أن السلام العادل لا يقوم إلا بانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي العربية المحتلة, وباستعادة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني بما فيها حقه في العودة و إقامة دولته المستقلة فوق أرضه ووطنه,تشارك الشعب الفلسطيني والقوى التقدمية العربية والعالمية إدانتها الحازمة لهذه المعاهدة الاستسلامية المنفردة" [الموسوعة الفلسطينية ـ الجزء الثالث ص485]. وكان بريق فيتنام قد خفت بعد تحرير الجنوب (1975) وبدء مشاكل إعادة بنائه, وخاصة بعد تدهور العلاقات مع الصين الشعبية, مما قضى بتراجع دور فيتنام في مجال دعم مسالة الكيانية الفلسطينية والهوية الوطنية. وازداد هذا الدور تضاؤلاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية. ولذلك لا نجد لفيتنام ممثلاً لدى إسرائيل أو السلطة الفلسطينية, رغم انه ما زال لــ م.ت.ف. ممثلاً لدى فيتنام والذي قدم أوراق اعتماده سفيراً لدولة فلسطين بعد إعلانها (في15\11\1988). ولما كانت جمهورية "كوريا الشعبية الديمقراطية" منذ قيامها (9\9\1948) تعلن أنها تسعى إلى جلاء القوات الأمريكية عن جنوب كوريا, وتوحيد الوطن الكوري, وتمكين الشعب الكوري الموحد من ممارسة حقه في تقرير مصيره بحرية, فمن الطبيعي أن تساند م.ت.ف. منذ البداية في حماية هوية شعبها الوطنية وفي إقامة كيانه السياسي. ولكنها, ورغم إيمانها بأن "السياسة تنبع من فوهة البندقية" في أدبياتها السياسية, إلا أنها لا تمارسه ولا تشجّع عليه عملياً وعلناً منذ انتهاء الحرب الكورية 1955, ولذلك لم تشجع كوريا م.ت.ف. على إرسال دورات عسكرية للتدريب, كما أن مساعداتها العسكرية كانت قليلة.

لقد كان ممثل م.ت.ف. لدى الصين الشعبية هو ممثل غير مقيم لدى جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية متمتعاً بكل الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها السفراء غير المقيمين حتى أقامت م.ت.ف. (1973) ممثلية مقيمة في العاصمة بيونغ يانغ.

كانت جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية تدعم كل القرارات في كل المجالات الدولية الداعمة لتأكيد الهوية الوطنية للفلسطينيين ولتسهيل قيام كيانهم السياسي. وواصلت تقديم المساعدة حتى نشوب الخلاف الحاد لدرجة الاقتتال بين سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان(حزيران 1976) حيث كانت تربط سوريا وكوريا علاقات اقتصادية وعسكرية متينة. وعندما وقّع السادات اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل (1979), لم تهبّ كوريا كفيتنام للتنديد بهذه الاتفاقية رغم وقوف سوريا والاتحاد السوفييتي ضد هذه الاتفاقية بحدّة, وذلك للعلاقات المتينة (في كل المجالات) مع مصر أيضا. ورغم انه ما زال لمنظمة التحرير(دولة فلسطين) سفير لدى جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية إلا أن الأخيرة ليس لها ممثل لدى إسرائيل أو لدى السلطة الوطنية الفلسطينية.

أما كوبا, وان كانت ممن يؤيدون العنف ضد الإمبريالية والاستعمار, إلا أن موقفها منذ انتصار ثورة كاسترو عام 1959 كان متأثرا بالدعاية الصهيونية التي صوّرت إسرائيل مثل كوبا دولة صغيرة يمارس عليها جيرانها تهديداً وحصاراً. ورغم أن كاسترو تبنى الماركسية وتحالف مع الاتحاد السوفييتي منذ عام 1965 إلا انه لم يقطع علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل عام 1967 أسوة بالاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية.ورغم دعوة كوبا لــ م.ت.ف. لحضور أعياد الثورة الكوبية (في تموز 1970) إلا أن المركز الثقافي الإسرائيلي بقي في هافانا حتى عام 1972.

و أعلن كاسترو في مؤتمر قمة عدم الانحياز الرابع (في الجزائر في 9\9\1973) قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. وتزايد بعد ذلك دعم كوبا لقيام الكيان السياسي الفلسطيني وتمتّع شعبه بالهوية الوطنية, فكانت دعوة ياسر عرفات لزيارة كوبا بعد عودته من نيو يورك حيث ألقى كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (17\11\1974). و أثناء تلك الزيارة اتفق الطرفان على افتتاح ممثلية دبلوماسية رسمية لـ م م.ت.ف. في هافانا. و أكد المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الكوبي (22\12\1975) على اعترافه بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. ووقف المؤتمر إلى جانب الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني, ومنها حقه في تقرير المصير و إقامة دولته المستقلة في فلسطين. و أدانت كوبا اتفاقيات كامب ديفد عند توقيعها, واعتبرتها مؤامرة إمبريالية لضرب التضامن العربي وهدر حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. [الموسوعة الفلسطينية الجزء الثالث ص673]. وما زال ممثل " دولة فلسطين"لدى كوبا بدرجة سفير فوق العادة, ولكن كوبا ليس لها ممثل لدى إسرائيل أو السلطة الوطنية الفلسطينية.

الولايات المتحدة الأمريكية
بعد الحرب العالمية الثانية صارت أمريكا إحدى أهم القوى العظمى وزعيمة العالم الرأسمالي(الغربي), وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي صارت هي القوة الأعظم. كانت أمريكا, في سياستها الخارجية, تحتكم إلى " نظرية المصالح" وليس إلى " نظرية الأمن", لأنها لم تكن في أي وقت معرّضة لغزو حقيقي. فخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت المدن الأمريكية تمارس حياتها العادية ولا يشغلها خطر أو مظنّة خطر. وفقط في 11\9\2000 اخترقت هذه القاعدة وصارت أمريكا ومدنها في خطر, وتشرّد رئيسها, واختبأ نائبه. بعد أن استفاقت أمريكا من ضربتها هذه صارت " قوة كاسحة" hyper power. بعد الحرب العالمية الثانية سرت مقولة في أوروبا أن الأمريكان لديهم أكثر من اللازم في الملبس, وأكثر من اللازم في الجنس, وأكثر من اللازم في وجودهم هنا", وبعد حرب الخليج الثانية صار سكان الشرق الأوسط يرددون نفس المقولة. أمريكا تمتنع عن مساعدة أي بلد عربي إلا إذا وقّع صلحا نهائياً مع إسرائيل, كما قال (جيفرسون كافري) سفير أمريكا لدى مصر عام 1952 لمحمد حسنين هيكل [محمد حسنين هيكل " إعادة اكتشاف أمريكا" مجلة وجهات نظر القاهرية ـ السنة الثالثة آب 2001 ص7]. ويتكوّن هذا الموقف الأمريكي لا بفعل اللوبي اليهودي فقط, بل بفعل التاريخ أيضا.ففي واحد من تقارير شركة فرجينيا لمركزها في بريطانيا (عام1624) يرد أن " الخلاص من الهنود الحمر أرخص بكثير من أية محاولة لتمدينهم, ووسائلنا للنصر عليهم كثيرة: بالقوة, بالمفاجأة, بالتجويع, بحرق المحاصيل, بتدمير البيوت"
[نفس المصدر ص 13 نقلا عن Jack Beatty \ Colossus: How the Corporation changed America]

فالنظرية السائدة أن "القوة تتحول إلى مصدر للمشروعية, وبها يتحول الاغتصاب إلى حيازة, وتتحول الحيازة إلى ملكية تسنّ لنفسها قوانين جديدة تتعامل بها الأوضاع المستجدة في تنظيم علا قات الغلبة والسيطرة" [نفس المصدر ص9].

كان ذلك قبل 378 سنة ساري المفعول, ولعله مازال كذلك حيث صرح السيد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي (7\8\2002) "أن المستوطنات الإسرائيلية هي أراض مكتسبة خلال حرب عدوانية على إسرائيل, وبالتالي لا تشكل مسالة واجبة الحل الملحّ. المسالة التي يجب حلّها الآن هي إيجاد طرف فلسطيني يصلح للحوار مع إسرائيل, ويحسن التفاوض معها". واقترح الوزير الأمريكي استقدام فلسطينيين من أوروبا أو أمريكا ليشكلوا ذلك الطرف الفلسطيني المناسب للتفاوض والحوار [جريدة الحياة الجديدة ـ رام الله 8\8\2002].

وخلال الحرب الباردة, كانت أمريكا ترى, كما يقول جون اندرسون اقرب المعاونين للرئيس الأمريكي ايزنهاور," إن الصراعات الصغيرة ,كالصراع العربي الإسرائيلي, يجب أن تدار بما يخدم الصراع الأكبر مع الشيوعية العالمية [محمد حسنين هيكل "إعادة اكتشاف أمريكا" مصدر سبق ذكره ص8].

كانت أول علاقة سياسية مباشرة لأمريكا مع فلسطين في 20\3\1919 إذ اقترح الرئيس الأمريكي (ولسون) إرسال لجنة مشتركة (أمريكية بريطانية فرنسية) لتقصّي الحقائق إلى فلسطين. ولكن الدولتين الأوروبيتين رفضتا المشاركة حتى لا تعطيا أمريكا شرعية التدخل ,فصارت لجنة أمريكية, وعرفت باسم عضويها هنري سي كنغ و تشارلس كرين. و أوصت اللجنة في تقريرها (28\8\1919) بوحدة سوريا بأقاليمها الثلاث:فلسطين (ومنها شرقي الأردن), و سوريا, و لبنان, مع إعطاء الأخير حكما ذاتيا في إطار الوحدة السورية. و اقترحت اللجنة أن يكون الانتداب على سوريا الموحدة لأمريكا, وعلى العراق لبريطانيا. و ذكرت اللجنة أن اليهود الذين يشكّلون 10% من سكان فلسطين هم وحدهم الذين يرغبون بانتداب بريطانيا لأنها ستساعدهم في تسهيل الهجرة و امتلاك الأراضي, فنيّة بريطانيا تنفيذ البرنامج الصهيوني بالقوة المسلحة. وحذّرت اللجنة من شعور أهالي المنطقة المعادي للصهيونية ولمن يقف وراءها [الموسوعة الفلسطينية ـ الجزء الثالث ص690].

واستُبعدت أمريكا عن المسالة الفلسطينية حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية, حيث أصبحت زعيمة المعسكر الغربي المنتصر, مما جعل الصهيونية تنتقل إلى حضنها الدافئ.

وبدأت الصهيونية بالتنغيص على بريطانيا بما أسمته حرب التحرير. ألقت أمريكا بثقلها إلى جانب الصهيونية في الأمم المتحدة فاستولدت منها قرار التقسيم رقم 181 الذي ستتخذه أمريكا مدخلاً دولياً لقيام إسرائيل التي اعترفت بها بسرعة التيار الكهربائي. فكان الرئيس الأمريكي ترومان قد عقد لقاء في البيت الأبيض (12\5\1948) وقرر أن تسبق أمريكا الاتحاد السوفييتي بالاعتراف بإسرائيل عند قيامها المتوقع بعد ثلاثة أيام. و صدر بيان عن وزارة الخارجية الأمريكية بعد ظهر يوم 14\5 يعلن "أن الرئيس عرف أن دولة يهودية باسم إسرائيل سوف يعلن قيامها في فلسطين بعد ربع ساعة من الآن, وطلب منا الرئيس إخطار الوفد الأمريكي في الأمم المتحدة بإعلان اعتراف الولايات المتحدة بهذه الدولة فور إعلانها, و قد قمنا بذلك [محمد حسنين هيكل " الأسطورة و الإمبراطورية و الدولة اليهودية " دار الشروق ـ القاهرة الطبعة الأولى آذار 1996 ص 252].

ونستطيع القول أن كره الجماهير العربية لأمريكا و أعمال العنف ضدها و ضد مواطنيها وضد مصالحها يمكن ردّه لانحياز أمريكا الكامل لصالح إسرائيل. وبعد مجزرة البرجين التوأمين في نيويورك (11\9\2001), و كلما أثير السؤال لماذا يكره العالم الإسلامي (ومنه العربي) أمريكا؟ يجيب الباحثون بان السبب الرئيس هو انحياز أمريكا المبالغ فيه وغير المبرر لإسرائيل. وإسرائيل (كما ذكر راديو صوت إسرائيل باللغة العربية صباح يوم 9\8\2002) هي الدولة الأعظم في تلقي المساعدات الأمريكية, وهي الدولة الأعظم في التأثير على السياسة الأمريكية, وهي الدولة الأعظم باستيراد السلاح. وأمريكا في الموضوع الفلسطيني صغيرة, ففي العالم كله تقوم إسرائيل (كغيرها من الدول التابعة) بخدمة المصالح الأمريكية, وأما في الموضوع الفلسطيني فان أمريكا هي التي تخدم مصالح إسرائيل,فأمريكا لا تتعرى من عظمتها إلا أمام إسرائيل [محمد حسنين هيكل " سلام الأوهام " مصدر سبق ذكره ص 216]. و من الأمثلة على ذلك صلف إسرائيل في تصريحات رؤساء وزرائها وخاصة "الليكوديون" منهم: قال بيغن أن هذا شيء يمكن مقارنته بتصرف تشمبرلن في ميونخ حينما استسلم أمام هتلر الذي اجتاح تشيكوسلوفاكيا, وكان تعليق بيغن هذا على الصيغة التي حملها سايروس فانس وزير خارجية الرئيس الأمريكي كارتر (آب 1977) ليعرضها على م.ت.ف. ترى أنه سيترتب للمنظمة وجود في المؤتمر الدولي في جنيف مع بقية الدول العربية على جدول أعمال المؤتمر على أساس اعتراف المنظمة بقراري مجلس الأمن 242 و338 [محمد حسنين هيكل " عواصف الحرب وعواصف السلام" ـ دار الشروق ـ القاهرة ـ الطبعة الثالثة 22\6\1996]. وتكرر الموقف الصلف هذا في كانون ثاني 2002 عندما عقد نفس المقارنة ارئيل شارون تعليقاً على قرار كولن باول (وزير خارجية أمريكا) ومندوب الاتحاد الأوروبي اللقاء مع ياسر عرفات في مقره المحاصر في رام الله [جريدة الحياة الجديدة رام الله 15\1\2002].

وكما كانت "الدولة الإسرائيلية" من المحرمات, والقضية الفلسطينية من المقدسات عند العرب حتى الربع الأخير من القرن العشرين, فقد كانت "الدولة الفلسطينية" من المحرمات, والدولة الإسرائيلية من المقدسات عند الأمريكيين حتى العقد الخير من القرن العشرين. وكل من مس المحرمات أو انتهك المقدسات عرض حياته أو موقعه أو كلاهما للخطر. هكذا كان مع اندرو يانغ (ممثل الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة) الذي فقد موقعه عام 1979 بسبب عقد اجتماع بالصدفة مع زميله, ممثل منظمة التحرير الفلسطينية لدى الأمم المتحدة , في بيت زميل ثالث, ممثل الكويت لدى الأمم المتحدة.وتعرض القس جيسي جاكسون لحملة تشهير لأنه عانق ياسر عرفات أثناء زيارته للشرق الأوسط (صيف 1979), وسقط جورج بوش الأب في إعادة انتخابه للرئاسة (1992) لأنه رفض تقديم الضمانات المالية الهائلة لإسرائيل مالم توقف نشاطاتها الاستيطانية, ولم يشفع له أن أمريكا اشترطت في عهده على الاتحاد السوفييتي أن يتبنّى مجلسه الأعلى قانوناً يسهّل الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفييتي مقابل التصديق على الاتفاق بينه وبين غورباتشوف في لقائهما في واشنطن 1\6\1990 والذي يمنح الاتحاد السوفييتي في أمريكا موقع "الدولة الأكثر رعاية" على صعيد مشترياته منها [ربحي قطامش و محمد النوباني " فلسطين والاتحاد السوفييتي: من الماركسية إلى البيريسترويكا" مركز الزهراء القدس الطبعة الأولى تشرين الأول ص 336]. وتعرضت للانتقاد هيلاري كلنتون, أثناء حملتها الانتخابية لمقعد الشيوخ عن ولاية نيويورك, لأنها عانقت سهى عرفات (زوجة الرئيس الفلسطيني), وردّت السيدة كلنتون, بمساعدة البيت الأبيض بأن وزّعت صورة خصمها الجمهوري وهو يصافح ياسر عرفات [منار الشوربجي "البيت الأبيض: خطاب مزدوج" السياسة الدولية ـ القاهرة العدد 142 تشرين أول 2000 ص 215].

وعندما وقّع سايروس فانس (وزير خارجية أمريكا) مع وزير خارجية الاتحاد السوفييتي ( في تشرين أول 1977) البيان المشترك المشهور والذي جاء في إحدى نقاطه أنه من أجل التسوية "يجب أن تحل مسالة سحب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها إبان نزاع 1967, والمسالة الفلسطينية بما فيها تامين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني", هبّت عليه عواصف "التكفير والهجرة" الصهيونية في أمريكا, ولم ينقذه زعمه أنه "لم يمس المحرمات ولم ينتهك المقدسات" لأن البيان, حسب تفسيره, لم يطالب بانسحاب إسرائيل أو بتأمين ما يسمى بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, إنما طالب بحل هاتين المسألتين. ولم ينج من التكفير إلا بعد أن وقّعت أمريكا مع إسرائيل اتفاقا استراتيجيا عرف بـ "اتفاق عمل " الذي كان براءة كاملة من البيان المشترك آنف الذكر [ربحي قطامش و محمد النوباني " فلسطين والاتحاد السوفييتي ـ من الماركسية إلى البيريسترويكا " مركز الزهراء - القدس الطبعة الأولى 1991 ص169]. ولذلك,وعندما قُدّم مشروع لمجلس الأمن لإدانة مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل, وافقت عليه اولبرايت (مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة) بشرط عدم وصف الخليل بالأراضي المحتلة, لأن ذلك قد يعني عدم السيادة الإسرائيلية عليها [بيسان عدوان "الولايات المتحدة والدولة الفلسطينية" صامد الاقتصادي العدد118 تشرين أول 1999 ص 45].

وكان جيمي كارتر, فيما يخص الكيان السياسي والهوية الوطنية الفلسطينية, بداية تغير بسيط في سلسلة رؤساء أمريكا, فكان أول رئيس يقول (في 18\3\1977) بتأمين وطن home land للفلسطينيين, والذي سيأخذ شكل كيان مستقل, أو كجزء من الأردن, أو كعضو في اتحاد كونفدرالي يضم الأردن وسوريا.وسيحتاج تنفيذ ذلك من سنتين إلى ثماني سنوات - حسب تطور الأحداث [ منير الهور وطارق الموسى "مشاريع التسوية للقضية الفلسطينية 1947-1985" دار الجليل للنشر ـ عمان الطبعة الثانية 1986 ص 164]. واقترح مستشاره لشئون الأمن القومي (بريجنسكي) مشروعاً ليس أكثر من تخفيض لمستوى المشروع الأردني "المملكة العربية المتحدة " حيث يقضي مشروعه بأن تبقى الضفة الغربية منزوعة السلاح, ويسمح لإسرائيل بتسيير دوريات أمنية فيها [المصدر السابق ص165]. ويعاود كارتر الكرة في 4\10\77 في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ويقترح "موافقة كل الأطراف على الحقوق والمصالح الأساسية لكل طرف .. فبالنسبة لإسرائيل يجب الاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين (وليس للشعب الفلسطيني), وبالنسبة للعرب يجب الاعتراف بحدود آمنة ومعترف بها لإسرائيل" وأضاف أنه "يتعيّن على العرب الاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين " [المصدر السابق ص 169].

وقامت بعثة من مركز "سفن سبرنغز" الأمريكي بزيارة لمصر والسعودية والأردن وإسرائيل وم.ت.ف. في آب 1981, وضع المركز على أثرها توصياته بتشكيل هيئة دولية تناط بها مسؤولية تطوير سلطة عربية فلسطينية تحظى برضى الذين ستحكمهم, وتراقب التزام هذه السلطة بالعيش بسلام مع جاراتها حتى يتاح المجال أمام انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية والإدارة العسكرية والمدنية إلى الحدود المتفق عليها [جريدة الرأي العام الكويتية 3\12\1981].

وأول مشروع أمريكي جادّ كان مشروع الرئيس الأمريكي ريغن (2\9\1982) إثر إجلاء م.ت.ف. عن لبنان. وبدأ المشروع بالتطمين أنه "لا دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية, وفي نفس الوقت لا يحق لإسرائيل ضم الأراضي المحتلة" ثم أضاف المشروع أنه لابد من إنجاز حكم ذاتي للضفة الغربية وغزة مرتبط مع الأردن, على أن يتم تجميد المستوطنات الإسرائيلية الجديدة, وبقاء القدس موحدة يُتفاوض على مستقبلها. وأثناء ذلك وبعده تلتزم أمريكا بحماية أمن إسرائيل [منير الهور و طارق الموسى "مشاريع التسوية للقضية الفلسطينية.." مصدر سبق ذكره ص215].

إن كان جورج بوش الأب قد اغرق نفسه في الشرق الأوسط عموماً وفي الخليج خصوصاً, فان بيل كلنتون أغرق نفسه في الشرق الأوسط عموماً وفي الصراع العربي الإسرائيلي خصوصاً, فاستعان بمارتن إندك وعينه مديراً لشئون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي, وعين دينس روس منسقا لعملية السلام في الشرق الأوسط. وهذا التعيين يشبه تعيين بريطانيا للناشط الصهيوني هربرت صوموئيل أول مندوب سام على فلسطين (1922). وعقدنا هذه المقارنة لان مارتن اندك كان قبل تعيينه مديراً لمعهد الدراسات لمؤسسة "ايباك" اللوبي اليهودي الرئيس في أمريكا الشمالية خلفاً لدينس روس المؤسس والمدير الأسبق للمعهد [انظر تقرير اللجنة الرئاسية-معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط, بعنوان "الإبحار في عالم مضطرب أمريكا والشرق الأوسط في قرن جديد" والذي قدم للبيت الأبيض في بداية عام 2001. ترجمة أمل الشرقي ـ الأهلية للنشر والتوزيع ـ عمان ـ الطبعة العربية الأولى2001].

واستضاف كلينتون القمة الإسرائيلية الفلسطينية الأولى (ياسر عرفات واسحق رابين) في السنة الأولى لرئاسته(13\9\1993) حيث جرى توقيع اتفاقية أوسلو في البيت الأبيض, واستضاف القمة الثانية (ياسر عرفات و بيبي نتنياهو) في واي ريفر أو واي بلانتيشن في السنة الثانية لدورته الثانية (تشرين أول 1998), واستضاف القمة الثالثة (ياسر عرفات و أيهود باراك) في السنة الأخيرة من حكمه في كامب ديفد (تموز 2000). وكان ضيف الشرف في قمة شرم الشيخ. وجاء ضيف شرف مع زوجته في المؤتمر الشعبي الفلسطيني الذي عقد خصيصاً في غزة "لتصفية آثار" الميثاق الوطني الفلسطيني لا "لتصفية آثار العدوان" في كانون أول 1998. وكان أول رئيس غربي يضيء شجرة عيد الميلاد في ساحة كنيسة المهد بعد الصليبيين. ورغم ذلك, ورغم أنه تهرب من القتال في فيتنام عندما كان في سن التجنيد إلا أنه قال أمام أنصار إسرائيل (في تورنتو 3\8\2001) إنه "على استعداد للقتال والموت لحماية إسرائيل" [أخبار سي.أن.أن. 3\8\2001]. وفي 21\6\2002 أعلن كلنتون تأييده لسياسة بوش الإبن في الشرق الأوسط الذي يتفق مع شارون بأن السلطة الفلسطينية غير مؤهلة لتحكم أو لتكون شريكاً لإسرائيل في عملية السلام [أخبار سي.أن.أن. 21\6\2002].

الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية
كان للإمبراطورية الروسية روابط دينية مباشرة مع فلسطين حيث كان العديد من الروس يحجّون سنويا إليها, وكان القيصر يعتبر نفسه حامي المسيحيين الأرثوذكس من الرعايا العثمانيين عموماً وفي الأراضي المقدّسة خصوصاً. وكان لمؤسس الاتحاد السوفييتي (لينين) روابط غير مباشرة بفلسطين. فكان قبل وبعد انتصار الثورة يشن حملة انتقاد للحركة "القومية اليهودية" وحزبها "البوند" في روسيا, فاليهود الذين يبلغ عددهم في العالم عشرة ملايين ونصف, يقطن أكثر من نصفهم بقليل في غاليسيا روسيا. وكان يعتقد أن "كل من يتبنّى مباشرة أو بصورة غير مباشرة شعار الثقافة القومية اليهودية, مهما تكن نواياه حسنة, عدو البروليتاريا" [فلاديمير ايليتش لينين "ملاحظات انتقادية حول المسالة القومية" أواخر عام 1913 ـ مختارات لينين في عشرة مجلدات ـ المجلد الخامس ص 65 مترجمة من أعمال لينين بالروسية المجلد 24 ص 113 ـ 150].

ومباشرة بعد انهيار الإمبراطورية الروسية ونجاح الثورة في روسيا, فضحت السلطة الجديدة اتفاقية سايكس ـ بيكو السرية بين فرنسا وبريطانيا لاقتسام المناطق العربية. ولذلك رفضت الحكومة السوفييتية نظام الانتداب وكل إفرازاته, بما في ذلك مسالة "الوطن القومي لليهود". ففي 28\12\1919 نشرت المفوّضيّة المؤقتة لشئون القوميات في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفييتية بياناً يؤكد أن "الصهيونيين يحاولون إزاحة العرب عن فلسطين, ويستعدون لإنشاء دولة يهودية لهم هناك... وأن جماهير الشغيلة اليهود يرون أنه لا حقوق قومية لهم لامتلاك فلسطين. ونحن نعترف بهذه الحقوق كاملة لجماهير العرب والبدو الكادحة" [ربحي قطامش و محمد النوباني " فلسطين والاتحاد السوفييتي: من الماركسية إلى البيريسترويكا" مركز الزهراء القدس الطبعة الأولى تشرين أول 1991 ص 63: نقلا عن بوندا ريفسكي "سياستان إزاء العالم العربي"].

وكذلك كان موقف "الكومنترن" في مؤتمرها الثاني (28\7\1920) الذي أدان الصهيونية عموماً وسياستها بشأن فلسطين خصوصاً حيث "تقدّم إلى الاستغلال البريطاني, بحجة تأسيس دولة يهودية في فلسطين, قرباناً هو السكان العرب الكادحين في فلسطين, حيث الشغيلة اليهود مجرد أقلية ضئيلة" [نفس المصدر ص 64].

ورغم أن الحركة الوطنية الفلسطينية, في النصف الأول من القرن العشرين, اتّسمت بعدائها للشيوعية, ورغم أن الحركة الشيوعية في فلسطين قامت على أكتاف المهاجرين اليهود الذين زعم بعضهم أن الصهيونية تهدف لبناء وطن قومي اشتراكي وتسعى لإنشاء مؤسسات صناعية وزراعية في فلسطين من أجل تكوين بروليتاريا صناعية وزراعية يهودية تتزعم فيما بعد نضال الفلاحين العرب ضد الإقطاعيين والإمبرياليين [مداخلة ا.كون مندوب "حزب العالم الاشتراكي" (الفلسطيني) في المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية نفس المصدر ص 68], ورغم عداء الدول العربية للاتحاد السوفييتي, إلا أن سياسة الاتحاد السوفييتي إزاء القضية الفلسطينية منذ أكتوبر 1917 وحتى منتصف الأربعينات اتّسمت برفض مشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين و تأييد حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وإنشاء دولته الديمقراطية المستقلة بعيداً عن الإمبريالية والصهيونية.

ولكن, ومنذ دخول الاتحاد السوفييتي الحرب العالمية الثانية مع الحلفاء, فقد بدأت مرحلة جديدة باتجاه مناصرة "الوطن القومي اليهودي" في فلسطين. وقد نقل عن بن غوريون أن أمريكا ظفرت من ستالين عام 1945 في مؤتمر يالطا بتأييد المشروع الصهيوني [ربحي قطامش و محمد النوباني " فلسطين والاتحاد السوفييتي : من الماركسية الى البريسترويكا " مصدر سبق ذكره ص 123]. وفي 22\1\1946 شبّهت صحيفة الازفستيا السوفييتية نضال اليهود في فلسطين بالنضال البلشفي قبل ثورة 1917 [غسان كنفاني "ثورة 36 ـ 39 في فلسطين: خلفيات وتفاصيل وتحليل "وكالة أبو عرفة للصحافة ـ القدس 1980 ص 23]. وفي كلمة اندريه غروميكو (ممثل الاتحاد السوفييتي لدى الأمم المتحدة) 14\5\1947 أنه "لا يمكن حماية مصالح الشعبين إلا في إقامة دولة عربية ـ يهودية ديمقراطية أو في تقسيم البلاد إلى دولتين: عربية ويهودية" [مهدي عبد الهادي "المسالة الفلسطينية ومشاريع الحلول السياسية 1934 ـ 1974" المكتبة العصرية صيدا ـ لبنان بدون تاريخ ص 114].

وسارع الاتحاد السوفييتي إلى الاعتراف بإسرائيل عند قيامها رغم عدم قيام الدولة العربية الشق الثاني من قرار التقسيم. وقد استقبلت جولدا مائير كأول سفيرة لإسرائيل استقبال الأبطال في موسكو. وفي مجلس الأمن (18\8\1948) صرّح جاكوب مالك (المندوب السوفييتي) بأن المشكلة الفلسطينية هي مشكلة لاجئين خلقها البريطانيون [الموسوعة الفلسطينية الجزء الأول ص 54]. ومن المرات النادرة التي استعمل فيها الاتحاد السوفييتي حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن (في نوفمبر1948) ضد مشروع قرار يفرض على الجيش الإسرائيلي "الانسحاب من النقب, ويفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل إذا رفضت الانصياع للقرار" [الكشّاف أو آخر عام 1989. نشرة يصدرها اتجاه التصحيح في الحزب الشيوعي الإسرائيلي], ورغم أن تسارا بكن (المندوب السوفييتي) في اللجنة الخاصة للأمم المتحدة (4\10\1947) قال: "إن الشعب اليهودي ناضل من أجل خلق دولة خاصة به, وإنه بمقدور الأمم المتحدة مساعدة الشعب اليهودي بالعمل وفقا لمبادئ الميثاق التي تدعو إلى ضمان حق هذا الشعب في الاستقلال وتقرير المصير" [د. عصام سخنيني "فلسطين الدولة: جذور المسالة في التاريخ الفلسطيني" دار الأسوار ـ عكا 1986 ص 194], إلا أن الأدبيات والبيانات الحزبية والحكومية السوفييتية لم تستخدم مصطلح "شعب فلسطين" أو "الشعب العربي في فلسطين" بل درجت على استعمال مصطلح "اللاجئين الفلسطينيين" أو مصطلح " الفلسطينيين العرب" حيث كان الشيوعيون آنذاك, ومنهم العرب وخاصة الحزب الشيوعي الأردني لا يرون أن الفلسطينيين شعب بل هم جزء من الشعب الأردني, ولا يرون أن العرب يشكلون أمة بل هم "أمة في طور التكوين". و في بيان الحكومة السوفييتية, في 17\4\1956, نصّ على "ضرورة حل المسالة الفلسطينية على أساس مقبول". وأثناء زيارة عبد الناصر لموسكو عام 1958 جاء في البيان الختامي "الحقوق المشروعة للفلسطينيين العرب (ليس للشعب الفلسطيني) ", و أثناء زيارة نكيتا خروتشوف(الأمين العام) لمصر عام 64 ورد في البيان الختامي "الحقوق الثابتة والمشروعة للفلسطينيين العرب (ليس للشعب الفلسطيني)" [الموسوعة الفلسطينية الجزء ألأول ص 54].

ورغم أن قادة الأحزاب الشيوعية والعمالية ورؤساء الحكومات في دول أوروبا الشرقية (في 9\6\1967) وافقوا (باستثناء رومانيا) على قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل, إلا أن الاتحاد السوفييتي, واستنادا إلى بيان الأحزاب الشيوعية العربية 4\8\1968 حول المهمات الملحّة أمام حركة التحرر الوطني العربية, اعتبر الميثاق الوطني الفلسطيني ميثاقاً قومياً متطرفاً باعتباره يدعو إلى تصفية إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مكانها بالكفاح المسلح, واعتبر حركة المقاومة الفلسطينية اتجاها مغامراً [الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1968 ـ مؤسسة الدراسات الفلسطينية ص 566]. وهذا ما جعل جمال عبد الناصر يلجا إلى حيلة اصطحاب ياسر عرفات كمستشار للوفد في زيارته لموسكو في آب 68 كما أسلفنا.فالاتحاد السوفييتي لم يكن متحمساً لاقامة علاقة ثنائية مع م.ت.ف. ولكن المنظمة استطاعت أن تشق طريقها عبر "اللجنة السوفييتية للتضامن مع بلدان آسيا و أفريقيا" التي وجّهت ( في شباط 1970) دعوة لوفد من م.ت.ف. برئاسة ياسر عرفات الذي رغم الحفاوة به لم يلتق بمسؤولين حكوميين أو حزبيين, واقتصرت لقاءاته على جهات شعبية ونقابات.

ورغم أنه ورد في مواد المؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي المنعقد في عام 1971 "العمل على تحقيق تسوية سياسية عادلة تقتضي انسحاب القوات الإسرائيلية من الأرض المحتلة.. و إحقاق الحقوق الشرعية للشعب العربي الفلسطيني" [مواد المؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي ـ دار التقدم موسكو 1981 ص 195 ـ 196], إلا أن السياسيين السوفييت ظلوا يتجنبون مصطلح "الشعب العربي الفلسطيني" عند الحديث عن حقوقه المشروعة ويستعملون مصطلح "الحقوق القومية المشروعة للفلسطينيين" .

ولم تجر الإشارة بصورة علنية ورسمية إلى الدولة الفلسطينية إلا في 8\9\1974 عندما تحدّث الرئيس السوفييتي عن حق الفلسطينيين في "إقامة دولة لهم بشكل أو بآخر", وذلك يعني دولة إلى جانب دولة إسرائيل وليس بدلا منها. فقد دأب الاتحاد السوفييتي على التأكيد على استعداده لتقديم أقوى الضمانات لاستمرار وجود إسرائيل, حتى في الخطاب الذي ألقاه جروميكو (وزير الخارجية) في العشاء التكريمي (نيسان1975) لعبد الحليم خدّام (وزير الخارجية السوري) [الموسوعة الفلسطينية الجزء الأول ص55]. وفي 11\10\1974 تحدّث الأمين العام (بريجنيف) في كيشنيف عن "حق الفلسطينيين في إقامة وطن قومي" [المصدر السابق ص54].

ولعل قرار السادات (8\7\1972) القاضي بانهاء خدمات الخبراء السوفييت العاملين في مصر كان في مصلحة العلاقة الفلسطينية السوفييتية, حيث دعا الاتحاد السوفييتي في نفس الشهر وفداً رسمياً من م.ت.ف. برئاسة ياسر عرفات. ورغم أن الدعوة كانت من "لجنة التضامن مع بلدان آسيا وأفريقيا" إلا أن الوفد عقد لقاءات مع المسؤولين في وزارة الدفاع السوفييتية, وحصل على مساعدات عسكرية وتوفير منح للتدريب العسكري في المعاهد والكليات العسكرية في الاتحاد السوفييتي [ماجد أبو شرار "أفكار لينين الثورية وتطور العلاقات مع الاتحاد السوفييتي" مجلة الكاتب المصرية العدد 43 ص 26].

وعلى أثر حرب اكتوبر 1973, وبعد قرار مؤتمر القمة العربي باعتبار م.ت.ف. الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, وتجاوباً مع البرنامج المرحلي للمنظمة, دعت الحكومة السوفييتية ياسر عرفات لزيارة رسمية إلى موسكو. وصدر (في 1\12\1974) إثر الزيارة بيان مشترك لأول مرة رحب فيه الاتحاد السوفييتي بقرار مؤتمر القمة العربي, وجاء فيه أيضا أن "الاتحاد السوفييتي يؤيد, وسيظل يؤيد, نضال الشعب العربي الفلسطيني في سبيل حقوقه المشروعة, بما فيها حقه الثابت في تقرير المصير وتأسيس كيان قومي خاص بما في ذلك دولة له". وصرّح ياسر عرفات للصحفيين وسط أكوام الثلج في موسكو بأن "ثلج موسكو في شهر ديسمبر من هذا العام أكثر دفئاً من شمسها في شهر تموز من عام 1972" [وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" 2\12\1974].

وكانت تلك الزيارة وذلك البيان المشترك فاتحة عهد جديد لمواقف الدول الاشتراكية (أوروبا الشرقية) من مسالة الكيانية والهوية الوطنية الفلسطينية والعلاقة مع م.ت.ف. وفي مجلس الأمن (10\1\1976) أكد المندوب السوفييتي أن الحل العادل في الشرق الأوسط يستند إلي مبدأين: إنسحاب إسرائيلي فوري ودون شروط من جميع الأراضي التي احتلتها اعتباراً من 5\6\1967, وتمتع الشعب الفلسطيني بجميع حقوقه الوطنية بما فيها حقه في العودة إلى وطنه وحق تقرير المصير والاستقلال السياسي. وفي نفس العام تم الاتفاق على افتتاح ممثلية لـ م.ت.ف. في موسكو, فافتتحت ممثليات دبلوماسية في جميع دول أوروبا الشرقية. واستصدر الاتحاد السوفييتي (في اكتوبر 1977) البيان الأمريكي السوفييتي المشترك الذي أشرنا إليه عندما تطرقنا لمواقف الولايات المتحدة الأمريكية.

شكّلت اتفاقية كامب ديفد (أيلول 1978) دفعة جديدة للعلاقات السوفييتية الفلسطينية, لأنها شكلت انفراد مصر (دون الدول العربية الأخرى الشريكة في الحرب) بالانحياز الكامل لأمريكا, و انفراد أمريكا (دون الاتحاد السوفييتي الشريك في عملية السلام) برعاية التسوية في الشرق الأوسط. فكانت خطوة انفرادية بكل ما في هذه الكلمة من معنى, و جاء الرد السوفييتي في تطوير العلاقة مع م.ت.ف., والإصرار على إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وتأقلماً مع هذه الأجواء قام وفد المنظمة برئاسة ياسر عرفات بزيارة موسكو (نهاية تشرين أول 1978) التقى خلالها بالأمين العام, وصدر بيان مشترك وصف اتفاقية كامب ديفد بأنها تهدف الى الحيلولة دون إحقاق الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني [وكالة الأنباء الفلسطينية " وفا " 2\11\1978 وبرافدا 1\11\1978]. وعلى اثر تلك الزيارة أنشئت "لجنة الصداقة والتضامن مع الشعب الفلسطيني" في موسكو, و في عام 1979 أنشئت "جمعية الصداقة السوفييتية الفلسطينية" في دمشق وبيروت. وتوثقت العلاقات بين المنظمات الشعبية الفلسطينية وشبيهاتها في الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى (العمال والمرأة والطلاب والمهندسين والأطباء..) وفي عام 1981 رفع الاتحاد السوفييتي, و كذلك دول أوروبا الشرقية مستوى ممثليات م.ت.ف. لديها إلي مرتبة سفارة.

وتعليقا على اجتياح إسرائيل للبنان وحصارها بيروت, قال بريجنيف (7\6\1982) "إن إسرائيل تضع علامة استفهام على شرعية وجودها". و قدّم فيما بعد (15\9\1982) مشروعه الذي عرف باسمه, و تضمّن عقد مؤتمر دولي تحضره جميع الأطراف, بمن فيهم م.ت.ف., و انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967, والإقرار بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني, و ضمان أمن و سلامة وسيادة دول المنطقة. و تعهّد الاتحاد السوفييتي بالتعاون مع الدول الأوروبية وأمريكا لتامين السلام العادل والدائم [جريدة الرأي الأردنية 25\9\1982].

ولكن خروج م.ت.ف. من لبنان وتمركزها في تونس, ونشوب الأزمة الداخلية فيها, وزيارة ياسر عرفات للقاهرة (19\11\1983) أثناء مروره بقناة السويس بسفينته اليونانية بعلم الأمم المتحدة التي أقلته وأنصاره من طرابلس (لبنان) إلى صنعاء (اليمن), تلك الزيارة التي اعتبرها الكثيرون (ومنهم معظم أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح) انحيازاً منه لمصر وخروجاً على الإجماع العربي وخيانة للقضية الفلسطينية, وسمّاه البعض "سادات فلسطين" [جريدة السفير اللبنانية, وجريدة تشرين السورية, و جريدة الجماهيرية الليبية, وجريدة الثورة العراقية, و جريدة القبس الكويتية 25\11\1983] . كل ذلك, شكّل خطراً على شرعية الكيان الفلسطيني بسبب الانشقاق حيث صار لكل منظمة شعبية هيئتان قياديتان متعاديتان. و اعتصم بعض أعضاء اللجنة التنفيذية والدوائر التي يرأسونها في دمشق, وصار ما يمكن وصفه بمنظمة تحرير فلسطينية في تونس وأخرى في دمشق. وذلك ما دفع قيادة منظمة التحرير الرسمية (في تونس) لتتجاوز الكثير من الإجراءات الشرعية لعقد المجلس الوطني السابع عشر في عمان (في تشرين ثاني 1984).

وشكلت هذه الأزمة نكسة لعلاقات المنظمة مع المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي, لدرجة أن تلك الدول رفضت الاعتراف بنتائج المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر. أما بخصوص علاقة المنظمات الشعبية مع مثيلاتها في الساحة الفلسطينية فقد انحازت (نسبيا) إلى الهيئات القيادية التي رفضت الاشتراك في المجلس الوطني المشار إليه بحجة أنه غير شرعي. وزاود الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية على قيادة م.ت.ف. حيث رفضوا اتفاق عمان بين المنظمة والأردن واعتبروه تنازلاً عن وحدانية وشرعية تمثيل م.ت.ف. للشعب الفلسطيني, و تخلياً عن شعار الدولة الوطنية المستقلة [مجلة الأزمنة الحديثة السوفييتية آب 1985].

ولكن حقيقة موقف الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية المعارض لسياسة قيادة م.ت.ف. لا يعود لكونها تخلياً عن الدولة أو عن وحدانية التمثيل, بل للاعتقاد أن هذه السياسة تشكل خطوة باتجاه المعسكر الغربي المعادي للاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية في الحرب الباردة. فالاتحاد السوفييتي يبقى كبقية دول العالم محكوماً بمصالحه حتى لو تجاوزت أيدلوجيته, فالفاشية العدو الأول والأخطر للماركسية كانت اللازمة اليومية في كل أجهزة الإعلام والتوعية السوفييتية اختفت من سوق التداول السياسي بعد أن ابرم ستالين "معاهدة الصداقة والحدود "مع ألمانيا الفاشية(28\9\1939) [ديمتري فولكوغونوف "ستالين:القائد والأسطورة " ترجمة حازم حجازي ـ دار المشرق للطباعة والنشر والتوزيع قبرص ـ نيقوسيا الطبعة الأولى 1995 الجزء الثاني ص 257]. ورغم كل ما تميز به ستالين من أرثوذكسية فقد ضحّى بالأممية الشيوعية (الكومنتيرن) لصالح التحالف المعادي للفاشية بعد أن ادخله العدوان الألماني الحرب إلى جانب الحلفاء [ديمتري فولكوغونوف "ستالين: النهاية" ترجمة حازم حجازي ـ دار المشرق للطباعة والنشر والتوزيع ـ قبرص نيقوسيا الطبعة الأولى 1995 الجزء الثالث ص 176].

وعندما صعد غورباتشوف إلى قمة السلطة في الاتحاد السوفييتي (آذار 1985), وبدأ بإذابة ثلوج الحرب الباردة, تعمّقت بشكل لم يسبق لها مثيل سياسة التعايش السلمي والحد من سباق التسلح. و صار لصوت الاتحاد السوفييتي آذان أوسع في المعسكر الغربي.

ولأنه يرى أن التسوية في الشرق الأوسط يجب أن تضمن المصالح الطبيعية للولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما, ولأنه لا يطمح بإزاحة الولايات المتحدة من الشرق الأوسط, فقد عزز التعاون مع أمريكا فيما يخص قضايا العالم ومنها المسالة الفلسطينية, و استجاب لضغط الكونغرس الأمريكي وسهل هجرة اليهود السوفييت بأعداد هائلة إلى إسرائيل. و كان من المتوقع أن يعيد غورباتشوف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل, ولكنه أعلن في كتابه "البيرو سترويكا و التفكير الجديد لبلادنا والعالم" والذي كان كبرنامجه السياسي داخلياً وخارجياً, أعلن أنه لا يكنّ عداوة لإسرائيل, ويعترف بحقها الشرعي في الوجود "غير أنه في ظل الوضع الحالي, وفي ضوء ما تقوم به إسرائيل من ممارسات, لا يسعنا أن نعيد العلاقة الدبلوماسية معها. أما إذا تغير الموقف.. سيكون عندها من الممكن بحث هذه المسالة" [ميخائيل غورباتشوف " البرو سترويكا والتفكير الجديد لبلادنا والعالم" دار الفارابي ـ بيروت 1988 ص 249].

لقد تدرّج موقف الاتحاد السوفييتي حيال إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وتطبيع العلاقة معها. لقد كان غير مستعد للنظر في ذلك إلا بعد تطبيع الوضع في الشرق الأوسط بصورة كاملة والذي يعني انسحاب إسرائيل وإحقاق حقوق الشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة [صحيفة الاتحاد الحيفاوية 20\3\1985 نقلا عن انوفين جين معلق وكالة نوفستي]. وبدأت هذه الشروط السوفيتية تخفّ لتصبح إعلان إسرائيل موافقتها على المؤتمر الدولي أو عندما يكون هنالك احتمال للتوصل إلى حلول عادلة، أو كما قال الكسندر بيسمرتنيخ (وزير الخارجية) لوكالة تاس (31\7\1990) أثناء زيارته لتل أبيب "إن إعادة العلاقة مع إسرائيل ستبدأ مع بدء أعمال المؤتمر الإقليمي للسلام في الشرق الأوسط" [جريدة القدس المقدسة 1\8\1990]. وكانت العلاقة القنصلية قد عادت في آب 1988, وفي هذه الأثناء أعادت بلغاريا وهنغاريا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل.

مثّل غورباتشوف مرحلة جديدة (إلى الوراء) من مسيرة الاتحاد السوفييتي حيال مسالة الكيان والهوية الوطنية الفلسطينية, فقد تجنّب قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وعاد إلى القرارات الدولية (قرارات مجلس الأمن) التي وافق عليها المعسكر الغربي, وخاصة أوروبا. وقد تجلّى ذلك أثناء زيارة ياسر عرفات (نيسان 1988) حيث حال الخلاف دون صدور بيان مشترك, وانفردت وكالة الأنباء السوفييتية ببيان جاء فيه دعوة الاتحاد السوفييتي م.ت.ف. للاعتراف بقرار 242 والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود مع حق تقرير المصير للفلسطينيين (ولم يأت البيان على ذكر الدولة الفلسطينية), واقترح الاتحاد السوفييتي وفداً عربياً مشتركاً للمؤتمر الدولي [القدس المقدسية 14\4\1988].

ونستطيع القول إن جمهورية روسيا الاتحادية ورثت هذا الموقف, فبقيت الطرف الأضعف في ثنائية رعاية عملية السلام. أما دول أوروبا الشرقية والتي تخلت عن النهج الاشتراكي فلم يعد لها موقف يميزها عن دول أوروبا الغربية في المجال السياسي, وليس لها وضع اقتصادي يسمح لها بمجاراتها في مجال دعم الفلسطينيين أو الضغط على الإسرائيليين.

حركة عدم الانحياز
رغم أنه في أجواء الحرب الباردة كل الدول منحازة باستثناء دولتين هما أمريكا والاتحاد السوفييتي اللتان تنحاز لهما الدول كلياً أو جزئيا, كما قال كمال جنبلاط [جريدة السفير اللبنانية 15\3\1976. وكمال جنبلاط سياسي لبناني شهير , كان رئيس "الجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية" التي تشكلت من المؤتمر الشعبي العربي لنصرة الثورة الفلسطينية الذي انعقد في بيروت (في نهاية تشرين الثاني 1972), ثم ترأس "جبهة الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية اللبنانية" التي تشكلت في شهر أيار 1975 والتي صارت تعرف بـ"الحركة الوطنية اللبنانية" وشكلت مع منظمة التحرير قيادة مشتركة في الحرب الأهلية اللبنانية, وقد اغتيل في شهر آذار 1977 وسميت باسمه الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني التي انعقدت في نفس الشهر في القاهرة], ورغم أن كل دول حركة عدم الانحياز أعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة ,وكانت تعبّر هناك عن مواقفها حيال "الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني وكيانه السياسي", فإننا نفرد لها عناية خاصة لاعتبارات, منها أن هذه الحركة كانت تطويرا للمؤتمر الآسيوي ـ الإفريقي الأول الذي انعقد في إندونيسيا في مدينة باندونغ (18\4\1955) وعرف باسمها, ورفضت اللجنة التحضيرية لهذا المؤتمر(الهند وإندونيسيا وباكستان وبورما و سيلان أو سيرالانكا) دعوة إسرائيل للمؤتمر رغم إلحاحها, في حين كانت فلسطين حاضرة و قد اشتركت بوفد, ترأسه الحاج أمين الحسيني, من "الهيئة العربية العليا" بصفة مراقب. ولقد أصدر ذلك المؤتمر أول قرار دولي خارج الأمم المتحدة يتعلق بفلسطين, وهذا نصّه "نظراً لحالة التوتر القائمة في الشرق الأوسط بسبب الحالة في فلسطين, ونظراً لما ينطوي عليه ذلك من خطر على السلام العالمي, يعلن المؤتمر الآسيوي الإفريقي تأييده الكامل لحقوق شعب فلسطين العربي, ويدعو إلى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة والى تحقيق تسوية سلمية لقضية فلسطين" [الموسوعة الفلسطينية الجزء الرابع ص345].

وفي مؤتمر القمة الأولي لحركة عدم الانحياز, والذي انعقد في (عاصمة يوغسلافيا) بلغراد(1\9\1961), اعتبر المؤتمرون سياسة عدم الانحياز تقوم على خمسة مبادئ, أحدها: "التأييد الكامل لحركات الاستقلال القومي". ورغم أن المؤتمر أعلن أنه لن يقدم اقتراحات تفصيلية لحل مشاكل التحرر, إلا أن الدول الـ25 التي حضرت المؤتمر تؤيد "الاستعادة الكاملة لجميع الحقوق الخاصة بالشعب العربي في فلسطين وفق أحكام ميثاق و قرارات الأمم المتحدة" [د.سعادة الخطيب "فلسطين في حركة عدم الانحياز" مجلة الفكر الديمقراطي العدد الأول شتاء 1988 ص 178].

وتطور موقف الحركة من "الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني وكيانه السياسي" حيث ربطت المشكلة الفلسطينية بالمسالة الاستعمارية, فقررت في مؤتمرها الثاني (في القاهرة 5\10\1964) "تأييد استعادة حقوق الشعب الفلسطيني كاملة في بلده وحقه الثابت في تقرير المصير, ودعمه في نضاله من أجل التحرر من الاستعمار والعنصرية" [الموسوعة الفلسطينية الجزء الثالث ص 194].

وشاركت م.ت.ف. في حركة عدم الانحياز في مؤتمر القمة الثالث (في لوساكا عاصمة زامبيا 8\9\1970), وقد قبلها المؤتمر عضواً مراقباً باعتبارها حركة تحرر وطني .وكرر هذا المؤتمر مواقف الحركة في المؤتمر السابق مضيفاً "إن استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه في تحرير وطنه وتقرير مصيره شرط مسبق لإحلال السلام في الشرق الأوسط [د.سعادة الخطيب "فلسطين في حركة عدم الانحياز" مصدر سبق ذكره ص 174]. وقبيل حرب اكتوبر انعقد مؤتمر قمة عدم الانحياز الرابع (في الجزائر 5\9\1973), وزاد خطوة في اتّجاه الكيانية الفلسطينية إذ أضاف, بعد التأكيد على قراراته السابقة, "إنه يعترف أن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني في نضاله العادل" [د. سعادة الخطيب "منظمة التحرير الفلسطينية وحركة عدم الانحياز" دار الكرمل للنشر والتوزيع عمّان الطبعة الأولى 1989 ص25]. وبقي موقع المنظمة في الحركة على مستوى مراقب. ولكن, وبعيد حرب اكتوبر, وإثر مؤتمر القمة العربي السادس (الذي انعقد في الجزائر 26\11\1973) الذي اقرّ (مع تحفّظ الأردن) أن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني, عقد "مكتب التنسيق "لحركة عدم الانحياز اجتماعه الأول (في الجزائر 19\3\1974) ووضع لأول مرة بنداً مستقلاً وثابتاً على جدول أعمال الحركة تحت عنوان "الشرق الأوسط وقضية فلسطين", ودعا فيه أعضاء الحركة لقطع علاقاتها بكل أشكالها مع إسرائيل, وبذل الجهد لضمان اعتراف عالمي بـ م.ت.ف. "ممثلاً شرعياً ووحيدا للشعب الفلسطيني". ولذلك, وفي مؤتمر وزراء خارجية الحركة (25\8\1975) في ليما عاصمة البيرو, دعيت م.ت.ف. لهذا المؤتمر باعتبارها عضواً عاملاً في الحركة, وما زالت المنظمة عضواً عاملاً في الحركة وعضوا في " مكتب التنسيق " [الموسوعة الفلسطينية الجزء الثالث ص196].

كانت مؤتمرات الحركة تعتبر إسرائيل معتدية لأنها تحتل جزءاً من أراضى دول أعضاء في الحركة (مصر وسوريا والأردن), أما بعد مؤتمر قمتها الخامس (في كولمبو عاصمة سيريلانكا 16\ 8\1976) صارت تعتبرها محتلة لكامل أراضي أحد أعضاء الحركة (م.ت.ف.). لذلك طالبت بطرد إسرائيل من أجهزة الأمم المتحدة (بما فيها الجمعية العامة), وطلبت من جميع الأعضاء تسهيل افتتاح ممثليات لـ م.ت.ف. في عواصمها. [د. سعادة الخطيب "منظمة التحرير الفلسطينية وحركة عدم الانحياز" مصدر سبق ذكره ص27]. وأوكل مؤتمر القمة لوزراء خارجيته التنسيق مع م.ت.ف. في أجهزة وأروقة الأمم المتحدة مما جعل الجمعية العامة للأمم المتحدة تشير في أحد قراراتها (2\12\1977) إلى إعلان وزراء خارجية عدم الانحياز المتعلق بـ"قضية فلسطين" الصادر عن اجتماعهم الاستثنائي المعقود( في 30\9\1977) في نيويورك [راجع وثيقة رقم 10].

أما في مؤتمرها السادس (في هافانا عاصمة كوبا 3\9\1979) فلم تكتف بإدانة إسرائيل باعتبارها دولة محتلة و" تحول دون عودة اللاجئين, و تمتّع الشعب الفلسطيني بحقوقه الوطنية و تقرير مصيره و إقامة دولته المستقلة", بل تدين أحد أعضائها المؤسسين (و هي مصر) بتوقيعها اتفاقيات كامب ديفد مع إسرائيل (في 26\3\1979) المنافية لقرارات الأمم المتحدة, وتعتبرها تشكل "انتهاكاً للحقوق المشروعة غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني [الموسوعة الفلسطينية الجزء الثالث ص 197]. وشكل المؤتمر لجنة تعيد النظر بعضوية مصر في حركة عدم الانحياز, تقدم تقريرها لاجتماع مجلس وزراء الخارجية القادم. ولم يستطع مجلس وزراء الخارجية ( في نيو دلهي 12\2\1981) أن يعيد التأكيد على إدانة كامب ديفد, ولا أن يتّخذ قراراً حيال عضوية مصر في الحركة. وكل ما فعله كان التأكيد على رفض قرار مجلس الأمن رقم 242 لأنه لا يؤمّن مستقبل الشعب الفلسطيني وحقوقه الثابتة. بل لقد كان لاتفاقية كامب ديفد دورها في ضعضعة الموقف الموحد لدول عدم الانحياز حيال "حقوق الشعب الفلسطيني" ووسائل تحقيقها, فصار لبعض الدول الأعضاء مواقف لا تتطابق مع مواقف الحركة [المصدر السابق ص 199]. وكان مؤتمر القمة السابع للحركة (نيو دلهي 83) بعد اجتياح إسرائيل للبنان وإجلاء م.ت.ف. منه, ولذلك طالب المؤتمر بمعاقبة إسرائيل لأنه "لا يمكن أن تبقى إسرائيل وحماتها يعرقلون إلى الأبد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني", وحذّر المؤتمر بأن السياسة الأمريكية المنحازة لإسرائيل تهدد علاقات أمريكا مع دول عدم الانحياز [مجلة فلسطين الثورة ـ قبرص 3\12\1983].

وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1985 اجتمع وزراء خارجية دول عدم الانحياز و أكدوا على دعوتهم لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط تحت إشراف الأمم المتحدة باشتراك م.ت.ف. بوفد مستقل على قدم المساواة مع الأطراف المعنية الأخرى [مجلة الحرية ـ قبرص 15\11\1985]. وتواصلت مواقف حركة عدم الانحياز بدفع الأمور باتجاه تسوية سياسية "معقولة ومقبولة" والتي من شروطها, حسب قرارات مؤتمر القمة الثامن لحركة عدم الانحياز (في هراري عاصمة زيمبابوي 1\9\1986)" انسحاب إسرائيل انسحاباً شاملاً وغير مشروط من جميع الأراضي الفلسطينية وغيرها من الأراضي العربية الأخرى التي احتلت عام 1967, بما فيها القدس, وتمكين الشعب الفلسطيني من الاستقلال الوطني واقامة دولته المستقلة تحت سيادة مستقلة في فلسطين, وفقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقرارات ذات الصلة". وأكد المؤتمر على عدم التدخل في الشئون الداخلية والخارجية للشعب الفلسطيني وحق منظمة التحرير الفلسطينية في صنع قرارها بحرية واستقلال. وأعرب مؤتمر القمة أيضاً عن تأييده لمشروع السلام العربي الذي اعتمده مؤتمر القمة العربي الثاني عشر في فاس (12\9\1982) [مجلة فلسطين الثورة ـ قبرص 13\9\1987].

ومنذ أن امتلك غورباتشوف ناصية الاتحاد السوفييتي (1985) صار واضحاً أن الاتحاد السوفييتي يسير حثيثاً (إن لم يكن يطير) باتجاه أن لا يعود يقود معسكراً مضاداً للمعسكر الغربي, وبذلك لا يعود هنالك مبرر منطقي لحركة عدم الانحياز إذ لا وجود لمعسكرين, مما جعل جريدة السفير اللبنانية تسترجع على أعتاب مؤتمر هراري ما قاله جنبلاط عام 1976, وتقول: "قبل غورباتشوف كان هنالك دولتان غير منحازتين هما أمريكا والاتحاد السوفييتي, وها هو الأخير يتّجه للانحياز لأمريكا. فلم يبق أمام الدول إلا معاداة أمريكا أو الانحياز لها [جريدة السفير اللبنانية 2\9\1986]. و على أعتاب مؤتمر وزراء الخارجية في أكرا عاصمة غانا (3\9\1993) ترى مصر أنه بعد انحسار المواجهة بين الشرق والغرب لا بد أن تتحول "حركة عدم الانحياز" إلى حركة عالمية لا تدعو للصراع ولا تقسّم العالم الى شرق وغرب, بل تدعو للتعاون بين الشمال والجنوب, وبذلك يمكن دمجها مع مجموعة الـ77 [جريدة القدس العربي ـ لندن 3\9\1993, ومجموعة ال77 الآن تضم 140 دولة منها 30 دولة ليست أعضاء في حركة عدم الانحياز].

وهذا ما جعل بعض المحللين السياسيين عشية مؤتمر قمة عدم الانحياز الثاني عشر في بريتوريا ـ جنوب إفريقيا ( أيلول 1998) يشبّهون مصير حركة عدم الانحياز بمصير الاتحاد السوفييتي [وضّاح شرارة ـ جريدة الأيام رام الله 14\9\1998 نقلا عن جريدة الحياة اللندنية]. و فقدت الحركة بريقها فوصفها البعض بأنها لم تعد حركة عدم انحياز بل حركة "عدم إنجاز" [رغيد الصلح ـ جريدة الأيام رام الله 1\9\1998 نقلا عن جريدة الحياة اللندنية].

وهذا جورج بوش الابن يؤكد ما ذهبت إليه جريد السفير (انف الذكر) بعد تدمير توأمي نيويورك (11\9\2001) حيث قال للشعوب والدول: "إما أن تكونوا معنا أو ضدنا ولا مجال بعد اليوم للحياد".

لم تتوقف الحركة منذ نشوئها عن إدراج القضية الفلسطينية على جدول أعمال مؤتمراتها . وظل ياسر عرفات مصراً على حضور مؤتمراتها سواءا كانت للقمة أو لوزراء الخارجية. ففي مؤتمر وزراء الخارجية في نيو دلهي (7\4\1997), وبعد كلمة ياسر عرفات التي دقّت الجرس بقوة محذرة من أن عملية السلام في الشرق الأوسط تحتضر نظراً للممارسات الإسرائيلية من نشاط استيطاني وحصار اقتصادي وعسكري وتنكّر لكل الاتفاقات ومرجعيتها في ظل استخدام أمريكا لحق " الفيتو" في مجلس الأمن مرتين للحؤول دون قرارت تدين الاستيطان اليهودي وتطالب بوقفه, خرج المؤتمر بطلب إلى أمين عام الأمم المتحدة لعقد جلسة استثنائية لمناقشة القضية الفلسطينية [جريدة الحياة الجديدة ـ رام الله 8\4\1997].

منظمة المؤتمر الإسلامي
الدول الأعضاء في "منظمة المؤتمر الإسلامي" هي أعضاء في الأمم المتحدة أو في حركة عدم الانحياز أو في كليهما. ولكننا أفردنا لها ركنا خاصا لكونها تأسست (أساساً) من أجل القضية الفلسطينية, بل إن فكرة "المؤتمر الإسلامي" كانت فلسطينية المنشأ حيث انعقد أول "مؤتمر إسلامي" في القدس (كانون أول 1931) وترأسه مفتي فلسطين آنذاك (الحاج أمين الحسيني) [خليل محمود الصمادي "عندما دافع أهل البوسنة والهرسك عن فلسطين" مجلة الفيصل السعودية العدد 491 شباط 1983 ص 34 ].

وعندما انعقد "المؤتمر الإسلامي الإفريقي الآسيوي" (في باوندونغ ـ إندونيسيا 6-14\3\1965) وحضره وفد يمثّل فلسطين, أعرب المؤتمر عن رؤيته بأن "قضية فلسطين ليست قضية العرب وحسب بل هي قضية العالم الإسلامي أجمع، وإنها في الحقيقة قضية سائر البشر" [الموسوعة الفلسطينية الجزء الرابع ص 333]. ولذلك طالب المؤتمر الدول الإسلامية بعدم الاعتراف بإسرائيل, و طالب الدول المعترفة بسحب هذا الاعتراف, واعتبار يوم 15\5 (ذكرى قيامها) يوما للتضامن مع الشعب الفلسطيني والاحتجاج على قيام إسرائيل.

وإثر إشعال النار بالمسجد الأقصى (21\8\1969) عقد مجلس الجامعة العربية, على مستوى وزراء الخارجية, اجتماعاً طارئاً (في القاهرة 25\8\1969), ورأى المجلس أن القضية الفلسطينية تقتضي الدعوة لمؤتمر إسلامي. وتكفّلت السعودية والمغرب بالإعداد لهذا المؤتمر. وانعقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول في الرباط ـ المغرب (22-25\9\1969), وانبثق من هذا المؤتمر "منظمة المؤتمر الإسلامي". و قرر المؤتمر أن القدس هي المقر الدائم للمنظمة, وبانتظار تحريرها تكون مدينة جدة المقر المؤقّت [احمد شاهين "مؤتمر القمة الإسلامي الخامس" شئون فلسطينية ـ نيقوسيا ـ العدد 168\169 آذار/نيسان 1987 ص 80]. وصدر ميثاقها في مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي الثالث (جدة 4\3\1972), الذي حددت المادة الثانية منه أهداف المنظمة بستة أهداف. وكان الهدف الخامس "تنسيق العمل من أجل الحفاظ على سلامة الأماكن المقدسة, وتحريرها, و دعم كفاح الشعب الفلسطيني ومساعدته على استرجاع حقوقه وتحرير أراضيه" [الموسوعة الفلسطينية الجزء الرابع ص 334].

ورغم أن المنظمة تكونت من أجل فلسطين وجعلت مقرها القدس إلا أن موقفها من "الكيانية الفلسطينية والهوية الوطنية" كان باهتاً. وعلى ما يبدو أنها كانت تنظر إلى القضية الفلسطينية على أنها قضية أرض إسلامية وأن الفلسطينيين فوقها هم "سكان" وليسو شعباً, و لذلك طالب المؤتمر بتحريرها واسترجاع حقوق أصحابها (المادية) دون الإشارة إلى حقهم في تقرير مصيرهم. ولذلك أيضاً رفض مؤتمر القمة الإسلامي الأول عضوية م.ت.ف. فيه رغم إلحاح مصر والجزائر، وكحلّ وسط اشتركت م.ت.ف. في المؤتمر "عضوا مراقباً, يشترك في المناقشات دون أن يكون له حق التصويت" [ محمد حسين عبد الحافظ "القدس و منظمة المؤتمر الإسلامي" صامد الاقتصادي ع 113 تموز آب أيلول 98 ص 321].

ولقد تدرّج موقف "منظمة المؤتمر الإسلامي" في مفهوم حقوق الشعب الفلسطيني واجبة الدعم والتأييد من مؤتمر إلى مؤتمر آخر. ففي مؤتمر القمة الأول كان "حقه في النضال من أجل التحرر الوطني", وقرنوه بالتمسك "بالسلم القائم على الشرف والعدل". وفي مؤتمر وزراء الخارجية الثاني (كراتشي ـ الباكستان ديسمبر 1970) أعلن "أن احترام الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني أمر لا غنى عنه لإقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط". وأما مؤتمر وزراء الخارجية الثالث (في جدة آذار 1972) فدعا إلى "احترام حقوق شعب فلسطين ونضاله المشروع من أجل تحرير وطنه, و حقه في تقرير مصيره, لان ذلك هو الأساس في إقامة سلام دائم في الشرق الأوسط" [الموسوعة الفلسطينية الجزء الرابع ص 335].

وبعد أن ظهرت على م.ت.ف. ملامح قبول وجود إسرائيل من خلال تسوية معقولة, وبعد أن اعترف مؤتمر القمة العربي (السادس في الجزائر 28\11\1973) بأن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني (مع تحفّظ الأردن), وافق مؤتمر قمة "منظمة المؤتمر الإسلامي "الثاني ( في لاهور ـ الباكستان 24\ 2\1974) على عضوية م.ت.ف. فيه باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في نضاله العادل, و"طالب الدول الإسلامية بافتتاح ممثليّات لـ م.ت.ف. في عواصمها" [" فلسطين ومنظمة المؤتمر الإسلامي" بدون مؤلف. من منشورات حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ـ مكتب التعبئة والتنظيم, دون ذكر مكان النشر ـ حزيران 1982 ص23-27].

وفي مؤتمر وزراء الخارجية السادس (جدة 15\7\1975), وكانت م.ت.ف. قد أعلنت برنامجها المرحلي, تحددت حقوق الشعب الفلسطيني بـ"حقه في العودة و تقرير المصير والسيادة على أرضه و إقامة سلطته الوطنية دون تدخل خارجي" [الموسوعة الفلسطينية الجزء الرابع ص 335].

وتواصلت مواقف "منظمة المؤتمر الإسلامي" تصاعداً داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة وداخل مؤتمراتها سواء على مستوى القمة أو وزراء الخارجية. و دعا مؤتمر وزراء الخارجية السابع (في استنبول ـ تركيا 15\5\1976) إلى إعطاء ممثليّات منظمة التحرير الفلسطينية في العواصم الإسلامية كامل الامتيازات الدبلوماسية الممنوحة لممثليّات الدول المستقلة [الموسوعة الفلسطينية الجزء الرابع ص 336]. وأكد المؤتمر العاشر لوزراء الخارجية ( فاس ـ المغرب 12\3\1979) على حق م.ت.ف. "بإفشال جميع أشكال التسويات والمشاريع الهادفة إلى تصفية قضية فلسطين والمساس بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني في فلسطين, وخاصة مشروع الإدارة الذاتية التي تضمنتها اتفاقية كامب ديفد" [الموسوعة الفلسطينية الجزء الرابع ص 336].

و في مؤتمر القمة الثالثة (مكة المكرّمة 28\1\1981) تقرر التصديق على قرار مؤتمر وزراء الخارجية الحادي عشر (في إسلام أباد ـ الباكستان 22\5\1980) والقاضي بتعليق عضوية مصر لتوقيعها اتفاق كامب ديفد مع إسرائيل, و أعلن مؤتمر القمة "التزام الدول الأعضاء بتحرير القدس لتكون عاصمة الدولة الفلسطينية" [احمد شاهين "مؤتمر القمة الإسلامي الخامس" مصدر سبق ذكره ص 80].

وفي مؤتمر القمة الرابعة (في الدار البيضاء ـ المغرب 19\1\1984) بدأت مسيرة التسوية الإسلامية متوازية مع مسيرة التسوية العربية فتبنّى المؤتمر خطة فاس العربية للسلام. وأصدر المؤتمر قراراً بعودة مصر إلى منظمة المؤتمر الإسلامي [الأهرام المصرية 22\1\1984]. وفي مؤتمر القمة السادسة (في دكار ـ السنغال 9-11 ديسمبر 1991) بدأ نجم م.ت.ف. يفقد سطوعه في المؤتمر الإسلامي لاحتسابها على العراق واجتياحه الكويت. وبدأت مسيرة إدانة الإرهاب في مؤتمر القمة السابعة (في الدار البيضاء ـ المغرب 15\12\1994) حيث أكد المؤتمر على "رفض الدول الإسلامية للعمليات الإرهابية التي تحدث هنا وهناك", كما هاجم المؤتمر الدول التي أطلق عليها "راعية الإرهاب" [الأهرام القاهرية 16\12\1994]. ومن الطريف الإشارة إلى أن الدول المعنية هي أمريكا والدول الأوروبية حيث يلتجئ لها المتهمون بالعمليات الإرهابية في الدول الإسلامية.

وكان مؤتمر القمة الثامنة في إيران (9-11 ديسمبر 1997) تحديا للغرب عموماً ولأمريكا خصوصاً, حيث ضغطت الأخيرة (لإفشاله) على عدد من الأعضاء لعدم حضوره وخاصة السلطة الوطنية الفلسطينية. ولكنه كان مؤتمراً ناجحاً ولم تقاطعه أية دولة عضو بما في ذلك السلطة الوطنية الفلسطينية. وتجاهل المؤتمر اتفاق أوسلو ,ولكنه أشار لمؤتمر مدريد كمرجعية لعملية السلام. وأدان المؤتمر السياسة الإسرائيلية المتنكرة لمرجعيات السلام, ومحاولة خلق مرجعيات جديدة. ودعا المؤتمر الدول الأعضاء للاعتراف بالدولة الفلسطينية عند قيامها. واستضافت قطر, التي تقيم علاقات مع إسرائيل على مستوى مكتب تجاري, المؤتمر التاسع للقمة (12-14 تشرين ثاني 2000). ورغم تعرض قطر لانتقادات حادة لوجود المكتب التجاري الإسرائيلي في عاصمتها, إلا أن المؤتمر كان ناجحاً, وعقد تحت اسم "انتفاضة الأقصى ـ انتفاضة استقلال فلسطين". واصدر المؤتمر في أول أيام انعقاده (12\11\2000) بياناً بشان انتفاضة الأقصى حيّا "انتفاضة الشعب الفلسطيني المشروعة ضد الاحتلال الإسرائيلي", و أعلن القادة المسلمون دعمهم لقرارات القمة العربية الطارئة في القاهرة (22\10\2000). ودعا البيان إلى استيراد السلع الفلسطينية وإعفائها من الرسوم والضرائب الجمركية. وأكد القادة المسلمون على الاعتراف بدولة فلسطين المستقلة فور إعلانها وبالقدس الشريف عاصمة لها, و طالبوا لها بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة ذات سيادة كاملة على الأراضي الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967 وفقاً لقرارات الشرعية الدولية, وذلك من أجل تحقيق السلام العادل والشامل .وتعهدوا بالدعم اللازم لتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية [جريدة القدس المقدسية 13\11\2000).

وفي ختام المؤتمر صدر البيان الختامي الذي دعا الدول الأعضاء التي أقامت علاقات مع إسرائيل أو التي كانت قد شرعت في اتخاذ خطوات تجاه العلاقات معها (في إطار عملية السلام) إلى قطع هذه العلاقات بكل أشكالها وإقفال بعثاتها ومكاتبها. و أشاد المؤتمر بالاتفاق الموقع بين م.ت.ف. والفاتيكان (بتاريخ 15\2\2000), كما اعتبر المؤتمر الكلمة التي ألقاها في قاعة المؤتمر الناطق الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين (عطا الله حنا) وثيقة من وثائق مؤتمر القمة الاسلامية التاسعة. ودعا المؤتمر مجلس الأمن إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية للمذابح التي ارتكبتها إسرائيل في فلسطين. وحث المؤتمر جميع الدول والجهات المعنية على دعم البرنامج الدولي الخاص بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الأراضي الفلسطينية. وطالب بتخصيص المنح الدراسية للطلاب الفلسطينيين وخاصة الجرحى واسر الشهداء. وإذ تجاهل المؤتمر اتفاق أوسلو, إلا انه أشار إلى مؤتمر مدريد و أدان إسرائيل بإلغائها له كمرجعية لعملية السلام [جريدة الأيام الفلسطينية ـ رام الله 15\11\2000]. واصدر المؤتمرون إعلاناً سمّي "إعلان الدوحة", الذي ركّز على المواقف آنفة الذكر مع التأكيد مجدداً على "إدانة الإرهاب بجميع أشكاله وصوره وأياً كان مصدره, ودعا إلى مؤتمر دولي لتناول هذه الظاهرة", ولكنه أصرّ على الفصل بوضوح "بين الإرهاب من ناحية وبين نضال الشعوب, بما فيها الشعب الفلسطيني, من أجل التحرر الوطني والخلاص من الاحتلال الأجنبي والسيطرة الاستعمارية من ناحية أخرى" [جريدة الحياة الجديدة الفلسطينية ـ رام الله 14\11\2000].

وبقيت قطر تتعرض للانتقاد لكونها رئيسة قمة منظمة المؤتمر الإسلامي وفي عاصمتها علم إسرائيل يرفرف على المكتب التجاري. ولذلك, عندما انعقدت الدورة الثامنة غير العادية لوزراء الخارجية في الدوحة (26\5\2001) قاطعته بعض الدول الأعضاء, واشترطت حضورها بإغلاق المكتب التجاري الإسرائيلي. ولكن عندما استضافت الدورة الاستثنائية التاسعة لوزراء الخارجية حضر الجميع دون اعتراض, و لم يتغيّب أحد, ولم ينزّل أحد مستوى وفده لأن الدورة خصصت لإدانة الإرهاب وللتضامن مع أمريكا في محنتها الأولى على أرضها بتدمير توأمي نيويورك وبنتاغون واشنطن [جريدة الاتحاد الإماراتية 11\10\2001].

وكادت الدورة الاستثنائية الحادية عشرة لوزراء الخارجية (في كوالالمبور ـ ماليزيا 3\4\2002) أن تنفجر لإصرار بعض الأعضاء على إدانة الإرهاب بكل أشكاله دون التفريق بينه وبين نضال الشعوب ضد الاحتلال والاستعمار [جريدة الحياة الجديدة الفلسطينية ـ رام الله 3\4\2002]

阿尔及利亚 阿拉伯联合酋长国 阿曼 阿拉伯埃及共和国 巴勒斯坦 伊拉克共和国 索马里共和国 毛里塔尼亚伊斯兰共和国 科摩罗伊斯兰联邦共和国 也门共和国 阿拉伯叙利亚共和国 突尼斯共和国 苏丹共和国 沙特阿拉伯王国 摩洛哥王国 大阿拉伯利比亚人民社会主义民众国 黎巴嫩共和国 科威特 卡塔尔 吉布提共和国 巴林王国 约旦哈希姆王国