【中阿社区】【旅游健康】【数字事实】【招商引资】【企业服务】【战略.研究】【投资委员会】【专题活动】【文化.教育】【经贸投资】【政治事务】【快讯】【首 页】
【الرئيسية】【أخبار واحداث】【شؤون سياسية】【تجارة وقتصاد】【ثقافة وتعليم.】【أنشطة خاصة】【مجلس التنمية】【ابحاث استراتيجية】【مؤسسات وخدمات】【فرص وعروض】【ارقام و حقائق】【فيديو وصور】【الجالية العربية】
当前位置: 首页>جامعة الدول العربية>正文

الصين أمام فرصة تاريخية لتعميق

Date: 07/01/2018 Refer: 2018/PRS/5318

الترابط الإستراتيجي بينها وبين الشرق الأوسط على المدى الطويل

"إن الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط في تزايد مستمر بالنسبة للصين، فهي منطقة محورية في ظل مسعى الصين إلى دفع مبادرة الحزام والطريق. والآن وفي هذه اللحظة الفارقة، تقف الصين أمام فرصة تاريخية لتعميق الترابط الإستراتيجي بينها وبين المنطقة على المدى الطويل"، هكذا قال الخبير الصيني المخضرم في شؤون الشرق الأوسط لي شاو شيان.

وذكر الباحث لي شاو شيان، رئيس معهد دراسات الشؤون العربية بجامعة نينغشيا الصينية ونائب رئيس الأكاديمية الصينية للعلاقات الدولية المعاصرة سابقا، إن السنوات المقبلة ستشهد قوة أكبر في درجة الترابط بين الصين والشرق الأوسط ، مشيرا إلى أن مصالح الصين في الشرق الأوسط تتمثل في ثلاثة جوانب رئيسية ألا وهي المصالح الإستراتيجية والاقتصادية والأمنية.

وبدأ لي شاو شيان بالحديث عن المصالح الإستراتيجية للصين في الشرق الأوسط، قائلا إنها صارت تكتسب أهمية أكبر فأكبر في ظل دفع الصين لمبادرة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الـ21 التي تعرف اختصارا بـ(الحزام والطريق)، فنقطة التقاء الحزام والطريق تقع في منطقة الشرق الأوسط التي يرتبط الوضع فيها بهذه الإستراتيجية الصينية ارتباطا كبيرا، مشيرا إلى أن الشرق الأوسط،بوصفه يشغل مكانة جيوسياسية بالغة الأهمية في عالم اليوم، يحمل تأثيرا لا يستهان به على بقية بقاع الأرض في ضوء ما يعج به من اضطرابات واتجاهات متغيرة، كما إن له تأثير عميق بشكل خاص على البيئة الدولية التي تقوم الصين بالعمل على إصلاحها وانفتاحها. وبطبيعة الحال، فإن هذا الترابط الإستراتيجي هو أكثر مباشرة وعمقا في الوقت الحاضر لأن الصين تحتاج الآن إلى مساعدة الشرق الأوسط لتعزيز وتنفيذ مبادرتها الإستراتيجية الكبرى.

ومن ناحية أخرى، ذكر الباحث الصيني أن المصالح الاقتصادية للصين في الشرق الأوسط تنقسم إلى شقين، أولهما: أن الشرق الأوسط يعد بقعة غنية بمصادر الطاقة مثل النفط والغاز الطبيعي بالنسبة للصين. فواردات الصين من النفط تتجاوز حاليا 60% من إجمالي احتياجاتها من النفط ومن المتوقع أن تصل إلى 70% في عام 2020، مضيفا أنه في إطار سعى الصين الحثيث إلى تطوير الطاقة النظيفة واستخدام الغاز الطبيعي بدلا من الفحم، فمن المتوقع أن تعزز التعاون في استيراد الغاز الطبيعي من منطقة الشرق الأوسط ولاسيما الخليج العربي حيث تعد هذه المنطقة أيضا مصدرا رئيسيا للغاز الطبيعي.

وثانيهما: أن الشرق الأوسط يعد سوقا ضخمة. ففي عام 2016 وصل حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى 230 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يصل إلى 500 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2020. كما تجدر الإشارة بصفة خاصة إلى أنه بعد الأزمة المالية العالمية التي حدثت عام 2008، شهدت الصادرات الصينية إلى بعض أسواق التصدير التقليدية بالنسبة للصين مثل أوروبا واليابان وحتى الولايات المتحدة نموا سلبيا أو انخفاضا واضحا. ولكن صادرات الصين إلى الشرق الأوسط ظلت تسجل معدلات نمو كبيرة،حتى أنه في عامي 2010 و2011 اللذين شهدا ما يسمي بـ"الربيع العربي"، سجلت الصادرات الصينية إلى الشرق الأوسط نموا تجاوز 10% على أساس سنوي، ومن هنا يتضح أن هذا الإقليم يعد من الأسواق الواعدة في العالم في وقتنا الحاضر.

وعلاوة على ذلك، لفت لي شاو شيان إلى أن المصالح الأمنية للصين ترتبط ارتباطا وثيقا بالشرق الأوسط ويزداد هذا الارتباط يوما بعد يوم، مفسرا أن معظم سكان منطقة الشرق الأوسط ينتمون للأمة العربية التي تعتنق غالبية شعوبها الدين الإسلامي وبالتالي يعد الشرق الأوسط قلب الإسلام، ذلك في الوقت الذي يتجاوز فيه عدد السكان المسلمين في الجزء الشمالي الغربي من الصين 20 مليون نسمة. ومن هنا يتضح أن الوضع الأمني والاستقرار في شمال غرب الصين يرتبط بشدة بالشرق الأوسط.

وتوقع الخبير الصيني المخضرم أن يمر الوضع في الشرق الأوسط بوجه عام خلال المدة من السنوات الخمس إلى العشر المقبلة بثلاث فترات، أولها: فترة إعادة بناء النظام السياسي في المنطقة، أي فترة إعادة هيكلة النظام السياسي في الشرق الأوسط بعد الانهيار؛ وثانيها: فترة التحول السياسي والاقتصادي والاجتماعي. في سياق التغيرات الجذرية التي يعيشها العالم العربي، وهو تحول سيأتي عاجلا أم آجلا، وثالثها: فترة استعادة التوازن بين القوى الجيوسياسية، فبعدما أصاب الهيكل الجيوسياسي في الشرق الأوسط الخلل وصار غير متوازن إلى حد كبير،لا بد من عودته تدريجيا إلى الوضع المتوازن من أجل الخروج من حالة الفوضى الراهنة.

اعادة التوزيع لأهمية الموضوع

الاتجاهات الناشئة لاستراتيجية الشرق الاوسط ذات الخصائص الصينية

لاول مرة.. الشرق الاوسط يصبح جزءا هاما من الاستراتيجية الصينية العالمية "

pics




في مطلع نيسان / ابريل  من العام الماضي حملت وسائل الاعلام الصينية وخاصة المعربة منها العديد من الاخبار والتعليقات حول صدور اول تقرير( كتيب) صيني بشأن الاوضاع في الدول العربية ، تحت عنوان : " تقرير بشأن الاوضاع في الدول العربية 2016 " ، الصادر عن معهد الدراسات العربية الصينية التابع لجامعة نينغشيا بالتعاون مع دار النشر للعلوم الاجتماعية الصينية .. تضمن التقرير مقدمة وثمانية  فصول .. نعيد توزيع افصل الثامن لاهميته :

الفصل الثامن

الاتجاهات الناشئة لاستراتيجية الشرق الاوسط ذات الخصائص الصينية

تمهيد  :

 قام الرئيس الصيني شي جين بينغ في الفترة مابين 19-23 من يناير 2016  بزيارة  ثلاث دول شرق اوسطية ، مصر والسعودية وايران ، وخلال تلك الايام الخمسة اجرى محادثات مع قادة الدول الثلاث وقادة المنظمات الاقليمية ، وشارك في اكثر من 40 فعالية ، ووقع على اكثر من 52 وثيقة تعاونية ، وهي الزيارة الاولى من نوعها  لزعيم صيني يقوم بزيارة خاصة وشاملة للدول المحورية في منطقة الشرق الاوسط ، وتعتبر حدثا كبيرا وهاما في تاريخ علاقات الصين بالشرق الاوسط ، وحدثا هاما في الدبلوماسية الصينية ، وتتمتع بأهمية تاريخية واستراتيجية .. فمنذ المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي (2012) صال الرئيس شي جين بينغ وجال القارات الخمس ، وكانت رحلته للشرق الاوسط اخر محطاته العالمية ، لذا اصبحت اّخر رقعة يستكمل فيها رسم الخارطة الاستراتيجية للدولة الكبرى ذات الخصائص الصينية .. حيث غدت العناصر الجوهرية الهامة بما فيها مكانة الشرق الاوسط في الاستراتيجية الكونية الصينية ، وتحديد الصين لطبيعة مشاكل المنطقة  ، ومواقفها من الدول والمسائل الهامة فيها تظهر بوضوح ، وعادت الاستراتيجية الشرق اوسطية ذات الخصائص الصينية صورة حية ناطقة ..

الجزء الاول :

ان منطقة الشرق الاوسط لم تكن على مر التاريخ محورا من محاور استراتيجية الصين الخارجية ، وان الاتصالات والتبادلات بين الصين ومنطقة الشرق الاوسط بدأت وبشكل متقطع في عهد اسرة خان الغربية .. وكون منطقة الشرق الأوسط ملتقى طريقي الحرير البري والبحري ، كانت في فترات معينة تشكل ممرا للصين إلى أوروبا ، ولكنها كانت تشكل عقبة امامها في احيان اكثر .. كانت التبادلات والاتصال الاكثر عمقا وكثافة في فترة التوسع الاسلامي وغزوات المغول للغرب على الرغم من انها لم تكن خيارا  مشتركا للطرفين .. ومن القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر، أي في عهد الإمبراطورية العثمانية وسلالة الصفوية، تعرضت تلك التبادلات لعقبات واضطرابات كبيرة ، حيث قل التجار والحجيج الذين يغامرون الدخول لهذه المنطقة .. وفي مطلع القرن العشرين ،ابان الاستعمار البريطاني ، استعادت منطقة الشرق الاوسط ممراتها نحو الصين واّسيا الوسطى واسيا الجنوبية .. وفي الفترة ما قبل عام 1949 ،  ونظرا لما كانت تعاني منه الصين من صعوبات وتحديات داخلية وخارجية ، لم  تعر اي اهتمام لمنطقة الشرق الاوسط ،  بحيث "اصبح الدين الأسلامي  الرابط الوحيد بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط في تلك الفترة"

وخلال الحرب الباردة، وخاصة بعد مؤتمر باندونغ عام 1955 ، تكثفت وتوسعت التبادلات بين الطرفين بشكل ملحوظ ، حيث تجسدت المصالح الصينية بشكل اساسي في المجال السياسي ، فبادرت في دعم حركات التحرر الوطني ضد الأمبريالية والاستعمار ، ومن ثم شجعت ودعمت حركة عدم الانحياز في مناهضتها لامريكا والاتحاد السوفياتي  . الصين  شاركت بكل ايجابية ونشاط في الشأن العربي ، غير أن الدول العربية التي تعيش وسط الحروب ، كانت بحاجة الى الدعم العسكري ، والصين لم يكن في مقدورها اّنذاك  تقديم أسلحة تُغير موازين القوى في المنطقة ، فكانت المساعدات الصينية مقتصرة على تقديم  "التجربة النظرية والعملية للحرب الشعبية". لذا كان التأثير الصيني في الشرق الأوسط محدودا طوال فترة  الحرب الباردة . أما بعد انتهاج الصين لسياسة الإصلاح والانفتاح عام 1978، تحولت المصالح الصينية في تلك المنطقة  لتشمل المجال الاقتصادي. فأصبح الشرق الأوسط سوقا هاما للصادرت الصينية. وبات رابع أكبر شريك تجاري للصين. وكانت الصين تتمتع بفائض تجاري كبير بما ساعدها على سد الثغرة الخطيرة في النقد الأجنبي آنذاك. ومن عام 1983 إلى عام 1988 بلغ اجمالي الفائض التجاري بين الصين والشرق الأوسط 12 مليار دولار، أي بمعدل ملياري دولار كل عام. وفي فترة ما بين عام 1982 وعام 1991، احتل  الشرق الأوسط  ما نسبته  70%  من اجمالي المبيعات العسكرية الصينية للخارج ، لتصبح الصين  خامس أكبر دولة موردة للسلاح في العالم ، وتستحوذ على 10 مليار دولار من العملة الصعبة ..

بدأت تزداد أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للمصالح الاقتصادية الصينية بعد ان أصبحت الصين دولة مستوردة خالصة للنفط عام 1993. حيث وصل حجم  وارداتها النفطية من الشرق الاوسط عام 1994 ما يقارب  40% من اجمالي استيرادها النفطي ، وحافظت  واستقرت فيما بعد  على نسبة  50%  ، فالشرق الاوسط يرتبط وبشكل مباشر بأمن الطاقة الصينية. وتحت تأثير الزخم التجاري في مجال الطاقة ، انطلق التعاون الاقتصادي الشامل  بين الصين ودول الشرق الاوسط ، في الوقت الذي حافظت فيه الصين على مبادئها التقليدية المتمثلة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم  زج نفسها في الصراعات القائمة في المنطقة . وعلى الرغم من دخول الصين المسرح الاقتصادي للشرق الأوسط ، الا انها لا زالت على هامش الحلبة السياسية والامنية . لذا يمكن القول بأن السياسة الاقتصادية النشطة والسياسة السياسية والأمنية المحافظة شكلتا السمة الرئيسية للاستراتجية الصينية الشرق اوسطية طوال العقدين الماضيين  ، الأمر الذي جعل الصين الدولة الكبيرة الوحيدة التي لم ترتكب خطأ كبيرا في منطقة الشرق الاوسط.. الاً ان  تقدم القوتان معا خلال السنوات الاخيرة  دفعتا الصين إلى المسرح السياسي في الشرق الاوسط . الاولى : التدويل التدريجي لسياسة الشرق الاوسط ، فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومشكلة "داعش" والأزمة السورية وغيرها كلها احداث ذات تأثير عالمي ، ولا بد للصين من تحمل مسؤولياتها  كدولة عالمية كبرى ؛  والثانية :  تدفق التجارة الصينية واستثماراتها ومواطينها نحو الشرق الاوسط  ، وهذا ما يربط السياسة الشرق أوسطية بالصين ارتباطا وثيقا. ولذا نقول بأن الصين باتت تمتلك في اّن واحد ولأول مرة في التاريخ ، مصالح سياسية واقتصادية وامنية هامة في منطقة الشرق الاوسط ، مما يحتم على الصين توضيح مواقفها وتصرفاتها في بعض القضايا. وبذلك يصبح الشرق الاوسط ولأول مرة ركنا هاما من اركان استراتيجية الصين العالمية، فالصين في امس الحاجة  إلى استراتيجية كاملة وواضحة ومستدامة في الشرق الأوسط.

الجزء الثاني  :

ظلت الصين ترى  وطوال فترة طويلة من الحرب الباردة  بأن التناقض الرئيسي في الشرق الأوسط هو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والتنافس بين القوى العظمى ، فظلت الاستراتيجية الصينية الشرق اوسطية تتمحور حول  هذين التناقضين . أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ  في خطابه  الذي القاه ي مقرّ جامعة الدول العربية  يوم  21 يناير 2016 الى "  ان جذور الاضطرابات في الشرق الأوسط  يعود سببها الى مشكلة  التنمية، وان الخلاص الوحيد في نهاية الامر يعتمد على التنمية ". ويمثل ذلك الفهم الصيني الجديد ازاء التناقضات  الرئيسية في الشرق الاوسط  في المرحلة الجديدة  ، كما يمثل   تلخيصا للتجربة الصينية في عملية البناء منذ قيام الصين الجديدة  ، فمن المؤكد ان يصبح المنطق الاساسي للتفكير الاستراتيجي الجديد للصين ازاء الشرق الاوسط  . منذ تنفيذ سياسة الاصلاح والانفتاح، أصبح " مركز واحد ونقطتين أساسيتين " المبدأ الصيني الاهم للحكم والإدارة والمتمثل في " اتخاذ البناء الاقتصادى كمركز، والتمسك بالإصلاح والانفتاح، و بالمبادئ الأساسية الأربعة "، وهو الضمانة الأساسية التي حققت فيها الصين كل انجزاتها ، أي اتخاذ التنمية الاقتصادية  كمركز على أساس الاستقرار الاجتماعي والسياسي،  وحل المشاكل  المعنية من خلال التنمية ..  على الرغم أن الصين لن تفرض تجاربها التاريخية على الآخرين، ولكن هذه التجارب القيمة سوف تتجسد  حتما في التفكير الاستراتيجي الصيني  تجاه  الشرق الأوسط.

إن المصالح الصينية في الشرق الأوسط  عادت  متعددة و شاملة ، الا ان الاقتصاد سيبقى يشكل نقطة الانطلاق الرائدة ،  فالاقتصاد لا يشكل  أهمٌ  المصالح الصينية  في الشرق الأوسط  فحسب ، بل الطريقة الرئيسية للصين للعب دورها النشط  في الشرق الأوسط ..  الشرق الأوسط الذي يعيش الاضطرابات لمدة طويلة، عادت التنمية الاقتصادية تشكل مطلبا ملحا لدوله ولعامة الدول الإقليمية.على الرغم من ان التنمية الاقتصادية قد لا تكون الهدف الاولي لكل دولة من دول الشرق الاوسط ، الان انها من الاهداف الاساسية لأي دولة من الدول . يظهر تاريخ الشرق الأوسط للعصر الحديث ،  امكانية إيجاد حلول مبتكرة لحل المشاكل السياسية  و الدينية والعرقية و الدبلوماسية  من خلال التنمية الاقتصادية ، وعلى العكس من ذلك ، في ظل الركود الاقتصادي لا يمكن ايجاد حلول لمثل تلك المشاكل  بل  تتفاقم وتزداد تدهورا . وفيما يتعلق بموضوع أولوية التنمية الاقتصادية، هناك تناغم وتفاهم بين الصين ودول الشرق الأوسط  فيما يتعلق بالتجارب التاريخية والاحتياجات العملية والتخطيط المستقبلي. هناك توافق وتداخل كبيرين في الاستراتيجية التنموية للصين ودول الشرق الأوسط ، يعتبر التعاون الاقتصادي الثنائي المسار الرئيسي للصين لدفع السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، أي حل المشاكل التي تواجهها الصين ودول الشرق الاوسط عن طريق التنمية المشتركة ، و تطوير العلاقات بين الصين والشرق الأوسط من خلال التعاون الاقتصادي . وقد أصبح " الاتخاذ من التنمية الاقتصادية كمركز ومن التعاون الاقتصادي كمقبض " الخاصية الرئيسية للاستراتيجية الصينية الشرق اوسطية ،  وهذا ما يميزها وبشكل ملحوظ عن الاستراتيجية الاميركية والأوروبية والروسية  الشرق اوسطية ..

خلال السنوات العشر الاولى من القرن الحادي والعشرين ، نمى كل من الاقتصاد الصيني ومثيله الشرق اوسطي بسرعة ملحوظة وبشكل متزامن ، الأمر الذي ادخل  العلاقات  الثنائية في شهر عسل لم  تشهده من قبل . فمنذ عام 2003 ولغاية 2014  ارتفعت أسعار البترول العالمية من  20 دولار الى ما يزيد عن 100 دولار ، وعلى أساس هذه الطفرة من ارتفاع ألاسعار ، نهض الشرق الأوسط بسرعة وأصبح أحد المراكز العالمية للتمويل والاستثمار والطيران والنقل البحري والثقافة والرياضة ، كما ازداد  وزنه في الاقتصاد العالمي بشكل ملحوظ . وفي الوقت نفسه ، كان الاقتصاد الصيني يعيش مرحلة تنموية قوية ، حيث قفز الناتج المحلي الإجمالي من1.2  تريليون دولار امريكي الى 10 تريليون دولار ،  لتصبح الصين أسرع دول العالم من حيث ازدياد طلبها وحاجتها للطاقة ، بينما اصبح الشرق الأوسط أسرع إقليم في العالم بالنسبة لازدياد احتياجاته للبنية التحتية، فارتفعت الجاذبية الاقتصادية المتبادلة بين الطرفين . خاصة بعد الأزمة المالية لعام 2008 ، حيث انخفض طلب الدول الغربية للطاقة، وأصبحت الصين والهند وغيرها من البلدان الآسيوية المستوردين الكبار لطاقة الشرق الأوسط، ما يشير الى ان محور الاستهلاك في سوق الطاقة الدولي  بات يميل إلى آسيا. وبعد "الربيع العربي" عام 2011 لم تكن  مصر والسعودية وإسرائيل وغيرها من دول المنطقة راضية عن أداء الولايات المتحدة ، وبدأت تبحث عن التنوعية في المجالين السياسي والامني  للتخلص من الاعتماد الكلي والوحيد على امريكا ، وبدأت على التوالي  تطرح استراتيجية "  التوجه نحو الشرق "  ، مما وسع فضاء تطوير العلاقات السياسية بين الصين والدول العربيىة بشكل غير مسبوق ..

ان الاختلاف بين الصين والدول الكبرى الاخرى فيما يتعلق بالمعونات وكما العلاقات الاقتصادية مع الشرق الاوسط هو ان الصين تدمج المعونات والاستثمار والتجارة مع بعضها البعض ، وتربط اعمال الحكومة بالموسسات التجارية بشكل وثيق ، مما يشكّل السياسة الاقتصادية ذات الخصائص الصينية المتميزة للشرق الأوسط.  بلغت قروض المساعدات الصينية لمنطقة الشرق الأوسط والاستثمارات التي تقودها الحكومة من عام  2001 ولغاية 2011  اكثر من  110 مليار دولار ، وهي  اكثر حجما وتأثيرا من المساعدات التنموية التي قدمتها امريكا واوروبا لدول المنطقة .  ولكن، شهر العسل سرعان ما انتهى لأن الصين والشرق الأوسط دخلا سويا في الوضع الطبيعي الجديد .. فاذا قلنا بأن العلاقات الاقتصادية الوثيقة التي سادت السنوات العشر الماضية  كانت تعتمد على الاستمرارية في  توسيع الحجم الاقتصادي لكلا الطرفين وسعيهما وراء الكمية ، فإن المحرك المستقبلى للعلاقات الاقتصادية الثنائية  سيعتمد على  تعديل الهيكلة الاقتصادية والجودة . بعد أن بدأت أسعار النفط بالانخفاض عام 2014 ،  اقترحت دول الشرق الأوسط استراتيجية "إعادة التصنيع" وسارعت  في تنفيذ استراتيجية التنوع الاقتصادي . ففي فبراير 2016 ،  اقترحت مصر "استراتيجية التنمية المستدامة لعام 2030" بينما اقترحت السعودية في ابريل 2016  "رؤية  2030" ، بينما اقترحت ايران  في فبرير 2014 " الاقتصاد المقاوم 24 ". إن إعادة التصنيع هو الجزء الاهم في المخططات والاستراتيجيات التنموية المذكور آنفا.  وفي الفترة ذاتها كانت الصين قد طرحت مبادرة "الحزام والطريق" في ظل "الوضع الطبيعي الجديد"  وبدأ التركيز على القدرة الانتاجية في التعاون مع البلدان النامية . مرة اخرى تلتقي وتتزامن الاستراتيجية الاقتصادية الصينية مع مثيلاتها الشرق اوسطية ، ويعتبرر التصنيع نقطة  الالتقاء بين الاستراتيجيتين .

وعند نقطة الالتقاء التاريخية الجديدة،  شكل التعاون في القدرة الانتاجية اهم المواضيع على جدول اعمال زيارة الرئيس شي جين بينغ لمنطقة الشرق الأوسط عام 2016 ، وعادت الجبهة الاساسية  للتعاون الاقتصادي بين الجانبين . خلال زيارته ، وقعت الصين 21 وثيقة تعاونية  مع مصر و14 مع السعودية و17 مع ايران. وغطت تلك الوثائق مجالات كثيرة من التعاون بما فيها التجارة والطاقة والمالية، والاتصالات، والطيران، وتغير المناخ. ومن أجل تعزيز عملية التصنيع في الشرق الأوسط، أعلن الرئيس شي خلال زيارته أن الصين ستنضم إلى الدول العربية في تنفيذ عملية ارساء القدرة الانتاجية، وستخصص قروضا بقمة 15 مليار دولار للتعاون مع دول المنطقة في مجال التصنيع ومشاريع البنية التحتية ؛ وستقدم قروضا تجارية بقيمة 10 مليار دولار  لدول الشرق الأوسط لدعم التعاون في مجال القدرة الانتاجية ؛ و10 مليار دولار كقروض تفضيلية مع تحسين عروضها ؛ وستنشيء الصين صناديق استثمارية مشتركة بقيمة 20 مليار دولار مع الإمارات وقطر  للاستثمار في مجال الطاقة التقليدية وبناء البنى التحتية والصناعات التحويلية الراقية وغيرها ، وبشكل عام تشير الوعود اّنفة  الذكر بأن حجم صندوق التعاون في مجال التصنيع بين الصين ودول الشرق الاوسط سيصل الى 55 مليار دولار .إضافة إلى ذلك، يمكن لبنوك البريك والبنك الآسيوي للاستثمار  في البنى التحتية وصندوق طريق الحرير أن تشارك في عملية التصنيع في دول الشرق الأوسط. وقعت الصين مذكرات تفاهم  بشأن بناء "الحزام والطريق" مع  مصر والسعودية وإيران  كل على انفراد ، وتبعها توقيع اتفاقيات مماثلة مع سبع دول هي  مصر والسعودية وايران وتركيا وقطر والكويت والاردن  ، وهناك 10 دول شرق اوسطية من الاعضاء المؤسسين للبنك الاسيوي للبنى التحتية ..

وبالتزامن مع تباطؤ سرعة التنمية الاقتصادية في الصين ، وتراجع  الوضع الاقتصادي للدول العربية تحت تأثير اسعار النفط ، دخل التعاون الاقتصادي بين الصين والدول العربية في مرحلة صعبة نسبيا. بلغ  حجم التبادل التجاري بين الصين ومنطقة الشرق الاوسط عام 2016  ما يقارب 228.86  مليار دولار وهو أقلّ بشكل كبير مقارنة مع ما كان عليه عام 2015 الذي وصل الى 333.59 مليار دولار ، حتى أقل مما كان عليه عام 2011 حيث تجاوز 266.99  مليار دولار ..  وبالمثل، بلغت الاستثمارات الصينية الاجنبية عام  2016  ما يعادل 175 مليار دولار من ضمنها 9.86 لمنطقة الشرق الاوسط  الذي يشكل 5% فقط من اجمالي الاستثمارات الخارجية  ومن ضمنها 6.37 مليار دولار لاسرائيل وحدها . لا تزال الصين تتمتع بالمزايا التقليدية في مجال المقاولة الهندسية وبلغت قيمة مشاريع المقاولة في اللدول الأجنية 76.46  مليار دولار  احتل منها الشرق الاوسط 20.01 مليار ، اي ما نسبته 26%  . يدل ذلك على ان التعاون الاقتصادي بين الصين والشرق الاوسط  في الوقت الراهن لازال امكانات كامنة فقط ، ويستند تحقيقه الى نجاح التحولات في الهيكلة الاقتصادية للطرفين وتأثره بالعوامل الأخرى بما في ذلك أسعار الطاقة والاستقرار السياسي والوضع الاقتصادي الدولي.

الجزء الثالث :

سياسيا، في الوقت الذي تثابر فيه الصين على التمسك بمبدأ عدم الانحياز وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ، ستعمل على مضاعفة مشاركتها في سياسة الشرق الأوسط ، واقامة علاقات دبلوماسية متوازنة مع جميع الأطراف . وان زيارة الرئيس شي جين بينغ لكل من مصر والسعودية وايران في ان واحد لهو خير دليل  وتجسيد للدبلوماسية الصينية المتوازنة .. تاريخيا ، شاركت القوى الكبرى في شؤون الشرق الأوسط متخذة من التحالف وتقسيم النفوذ كأساس ومن التدخل العسكري كأداة ، الأمر الذي ادى الى عواقب وخيمة  ومتاعب لا نهاية لها واّلت في نهاية المطاف الى الكاّبة  والفشل   .. فالاستراتيجيات الشرق اوسطية لكل من بريطانيا وفرنسا والسوفيت وامريكا  انتهجت مسارات مماثلة . عموما نقول بأن التدخل الأجنبي هو احد الاسباب الأساسية للمأساة التي يعاني منها الشرق الاوسط اليوم .. فالعبر ماثلة امامنا ، فلا يمكن أن تكرر الصين " مآسي الشرق الاوسط " للقوى الكبرى في القرن العشرين ، بل ينبغي عليها استكشاف  طريقا جديدا ذا خصائص صينية.. .ظلت الصين وعلى المدى البعيد تتخذ من التعايش السلمي ، والاستقلال والتمسك بزمام المبادرة كعمادين اساسيين للديبلوماسية الصينية .. المبادئ الخمسة للتعايش السلمي تتمثل فب الاحترام المتبادل للسيادة ووحدة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة والتعامل بالمثل ، والتعايش السلمي ؛ بينما السياسة الخارجية المستقلة المتمسكة بزمام المبادرة  تشمل " لاءات اربع وكمال واحد  " اي ، لا للتحالف ، لا للانعزال ، لا للمواجهة ، لا لاستهداف طرف ثالث ، والقيام بنشاطات ديبلوماسية بشكل كامل . وفي المستقبل المنظور سيظل ذلك يشكل المبدأ الاساسي لاستراتيجية الصين الشرق اوسطية  ، والفارق الاساسي بين الاستراتيجية الصينية واستراتيجيات القوى الكبرى الأخرى تجاه الشرق الاوسط  .

الصين لا تثابر على التمسك  بمبدأ عدم الانحياز وعدم التدخل في الشؤون الداخلية فحسب ، بل تعارض ايضا سياسات القوى الكبرى الشرق اوسطية  في تصنيفها للمنطقة بين عدو وصديق  ، كما أنها تعارض تدخل بعض الدول الإقليمية الكبرى في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وفي المسألة السورية ، مارست الصين حق النقض في مجلس الأمن الدولي أربع مرات ، وكان الدافع الاساسي معارضة تدخل القوى الخارجية في الصراع الداخلي لدول الشرق الأوسط . إن نظام التحالف الذي تقوده امريكا هو ركن هام للهيكلية الامنية الحالية  في الشرق الأوسط ، فلا يمكن إنكار دور هذا النظام  في توفير بعض العناصر العامة في مجال الأمن . ولكن على المدى الطويل، على  القوات العسكرية الأجنبية  تحمل مسؤولياتها في الانسحاب من الشرق الأوسط ، وافساح المجال امام دول الشرق الأوسط لاقامة هيكلية متوازنة خاصة بها ، وبذلك يمكن تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة  ، في الواقع  ان اقدام القوى الإقليمية الكبرى والقوى الكبرى من خارج الاقليم  بتكثيف تدخلها في شؤون الشرق الأوسط  هو ما  يعقد الاوضاع اكثر في المنطقة .. وعلى الصعيد السياسي الاقليمي ، فقد شكل  الصراع الدائر بين المعسكر السعودي والمعسكر الايراني منذ عام 2011 التناقضات السياسية الرئيسية في الشرق الأوسط ، وتجدها حاضرة في كل الصراعات العسكرية والمنافسات السياسية في المنطقة  ، وهو احد الاسباب في  اشتداد الحروب واطالة أمدها.  كان يجب على الدول الكبرى الحلفاء لإيران والمملكة العربية السعودية خارج الاقليم أن تتحمل مسؤولياتها، وتحث كل من ايران والسعودية على ضبط النفس وتشجيعهما على تسوية الصراع من خلال الحوار، وهي  الطريقة الوحيدة التي يمكن وان تخفف حدة الازمة في  العراق واليمن وسوريا. الصين كدولة كبرى غير منحازة ، تحافظ على انتهاج سياسة متوازنة شاملة تجاه ايران والسعودية ومصر وإسرائيل  مؤهلة للعمل مع كل من ايران والسعودية ولعب دور جسر سياسي بينهما . ان الاستقبال الحار وكرم الضيافة التي  حظي بها الرئيس شي جين بينغ خلال زيارته  للسعودية وايران يعكس وبشكل واضح الموقف السياسي الصيني الموضوعي والعادل في الشرق الأوسط. فقد برهنت التجاربة التاريخية أن التدخل السياسي والعسكري من قبل القوى الكبرى يؤدي إلى نتائج سلبية ،  فالحرب  في كل من  العراق و ليبيا  ادخلت كل من البلدين في اتون حرب اهلية طويلة ، وان التجربة الديمقراطية حفزت على اشاعة الفوضى  . إن دول المنطقة هي المعنية بتحقيق توازن السلطات  في منطقة الشرق الأوسط ، وان طريق التحديث يعتمد على استكشاف شعوب المنطقة ،على الرغم من أن ذلك  الطريق قد يكون طويلا  وربما دمويا، االا انه السبيل الوحيد لحل قضايا  الشرق الأوسط. لقد أكد الرئيس شي خلال زيارته قائلا  " اننا لن نبحث عن وكيل في الشرق الأوسط ، بل ندفع بمحادثات السلام ؛ ولا نقوم بتحديد مناطق نفوذ، بل ندعو الجميع لنصبح أصدقاء في بناء الحزام والطريق، لن نسعى لملء" الفراغ "، بل ننسج شبكة شركاء تعاون قائمة على المنفعة المتبادلة و الكسب المشترك" ،  ويمكن أن نطلق عليها "سياسة اللاءات الثلاثة" في الاستراتيجية الصينية الشرق اوسطية، حيث تلخص وبشكل سليم وصحيح  المباديْ السياسية  في التعامل مع شؤون الشرق الأوسط. في السنوات الأخيرة، احتدم الصراع السياسي والاقتصادي والديني والدبلوماسي بين دول الشرق الأوسط ووالقوى الفاعلة غير الحكومية ، وكان على مختلف القوى الاخرى اختيار الانحياز الى جانب من جانبي الصراع ،  اضافة الى تورط  ودخول الدول الكبرى من خارج المنطقة في هذا الصراع ، وان تطور هذا الاتجاه  هو الاكثر قلقا ورعبا في الشرق الاوسط ..  وان ظهور الصين كقوة سلام في مثل هذا الوقت الحاسم يعد شيئا ثمينا وفي غاية الاهمية ..

الصين تتمسك بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي ، وتثابر على سياسة خارجية مستقلة ، وتلتزم بعدم التدخل وعدم الزج بنفسها  في الصراعات القائمة  بين دول الشرق الأوسط، وهذا  لا يعني ابدا  أن الصين لا تفصح عن مواقفها، ولا تشارك في شؤون الشرق الأوسط ، وغير ايجابية ولا نشطة ، ليس كذلك ابدا  بل على العكس ، لا بد للصين وأن  يكون لها مواقفها واساليبها وقوة تأثيرها الخاص بها تجاه جميع القضايا السياسية الهامة في الشرق الأوسط ،  بهذا الاسلوب فقط يمكن محافظة الصين على مصالحها في الشرق الأوسط ، وبذلك فقط يمكن تقديم طاقة قوية وايجابية لسلام الشرق الأوسط واستقراره.  ومنذ عام  2016 والصراع بين السنة  والشيعة يحتدم ، والصراع العنيف الفلسطيني الاسرائيلي يشتد ويتصاعد ، تلك الاوضاع الخطيرة تحتم على الصين المبادرة في اتخاذ سياسات نشطة و فعالة لمواجهتها .

أما بشأن علاقة الحكم والدين في دول الشرق الأوسط ، فان الصين لا تنحاز إلى أي جانب، بل تعارض أي تصدير او تدخل ديني أو أيديولوجي للدول ألاخرى، وتدعو الى الفصل بين الحكم والدين ( العلمانية ) في السياسة الدولية .. السياسة في الشرق الأوسط لا يمكن فصلها عن الدين، حيث تجد عناصر للصراع الديني في كل الاحداث والصراعات السياسية الدائرة الاّن في المنطقة . على الرغم أن معظم دول الشرق الأوسط (باستثناء إسرائيل) هي دول إسلامية، ولكن علاقات الترابط بين الدين والحكم  تجده يختلف من دولة لأخرى . فان الحكومات في كل من ايران والسودان وسلطنة عمان والسعودية وغيرها الكثير من الدول  التي تشكل على الاسس والمباديء الاسلامية .. وخلال المائة عام المنصرمة  والديانة الاسلامية تبحث عن مكانتها السياسة في البلد ذاته وفي السياسة الاقليمية وكما في السياسة الدولية .. في الاطار الوطني  ، فان العلاقة بين الدين والحكم يجب ان تكون خيارا سياسيا لشعب الدولة المعنية  . على المسرح الدولي  ، منذ ولادة الدول القومية ، بدأت الدولة تتمتع بهوية (  الانغلاق والاقتصار) استثناء الاخر . الصين  باعتبارها دولة علمانية، دائما ما تؤكد على استقلال السيادة الوطنية.  في منطقة الشرق الأوسط، منذ حركة النهضة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي، بدأ الدين يشارك  في سياسة الدول بشكل واسع، وغالبا ما يؤدي  الصراع السياسي  الى نزعة التطرف .. سواء  " الدولة الاسلامية" في الوقت الراهن ، ام " تنظيم القاعدة "  اواخر القرن العشرين ، كلاهما من نتاج تدخل  الدين في الصراع السياسي الدولي  .. ففي النضال السياسي الدولي  على وجه الخصوص ،  تتغلغل بعض الدول وتقوم بنشر  أفكارها الأيديولوجية والدينية في الدول الاخرى ، ودفع الدين الى ان يصبح اداة سياسية .. هذا ليس تهديدا للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط  فحسب ، بل يشكل خطرا مباشرا على امن الدول المعنية بما فيها الصين.

وأما بشأن المسألة الفلسطينية الاسرائيلية ، فان الصين تتابع عن كثب تطور الاضاع ، وتقوم بتعديل (ضبط ) سياستها في الوقت المنسب ، وتبذل الجهود للمساهمة في تخفيف المحن والصعاب الماثلة امام المشكلة  الفلسطينية الإسرائيلية .. ظلت الصين ومنذ زمن بعيد تدعم وبنشاط قضية اتحرر الوطني الفلسطيني ، والصين هي من اوائل الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية .. وفي عام 2002 ،  دخلت اّلية التنسيق "  اللجنة الرباعية " والمشكلة من امريكا وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة  مرحلة العجز لا حول ولا قوة لها ، ولم يبق من منارة السلام الفلسطيني والإسرائيلي "حل الدولتين" الا  اسمها فقط .  وبعد فشل محادثات السلام الفلسطينية الاسرائيلية عام 2009، أصبح "حل الدولتين" هدفا بعيدا لا يمكن تحقيقه ..  على الصعيد الاسرائيلي ، وفي ظل تعليق مسألة المكانة النهائية لفلسطين ووضعها على الرف ،  تحافظ حكومة نتنياهو على سيطرتها الأمنية من خلال "إدارة الصراع". وعلى الصعيد الفلسطيني ، وفي ظل فقدان الامل في اقامة الدولة الفلسطينية من خلال المفاوضات ، بدأ الجانب الفلسطيني يعلق اّماله على تدويل القضية الفلسطين من جانبواحد ، واجبار اسرائيل على التراجع بالضغوط الدولية، وتحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين. وفي الوقت نفسه، يميل تعاطف ودعم المجتمع الدولي إلى  الجانب الفلسطيني ، بينما يتعرض الموقف الامريكي والاوروبي ،  خاصة الموقف الامريكي التقليدي المنحاز الى اسرئيل  الى ضغوط متزايدة من المجتمع الدولي . ففي فترة أوباما،  حدثت حالة من الفتور والتباعد في العلاقات الامريكية الاسرئيلية ، ومع نهاية عام 2016  امتنعت الادارة الاميركية ولاول مرة عن اتخاذ حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الدولي الذي يدين اقامة المستوطنات الإسرائيلية ، وقد اجاز  مجلس الامن  وتبنى القرار المذكور ..  وطالبت العديد برلمانات الدول الاوروبية  الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومن مقدمتها السويد، وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية على منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وبادرت فرنسا في عقد دورتين لمؤتمر السلام في الشرق الأوسط للضغط على إسرائيل. ظل دعم القضية الفلسطينية يمثل تقليدا دبلوماسيا صينيا ، وهو أيضا اتجاه الاخلاق والعدالة الدولية  . لذا ، يتوجب في المرحلة الجديدة القادمة للمسألة الفلسطينية الإسرائيلية ،على الصين لعب دور اكثر اهمية واكثر نشاطا من ذي قبل، وهي قادرة على ذلك .. أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ في الخطاب الذي القاه مقر جامعة الدول العربية الى : " أود أن أدعو المجتمع الدولي أن يتخذ إجراءات أقوى لتفعيل عملية السلام سياسيا ولدعم عملية إعادة الإعمار اقتصاديا، لكي يرى الشعب الفلسطيني أملا في أقرب وقت ممكن. تدعم الصين بشكل ثابت عملية السلام في الشرق الأوسط، وتدعم تأسيس دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة على اساس حدود 1967  وعاصمتها القدس الشرقية. اننا نتفهم نحن نتفهم  التطلعات الفلسطينية المشروعة في الاندماج للمجتمع الدولي كدولةمستقلة ،  وندعم إنشاء آلية جديدة لدفع السلام في الشرق الاوسط،  وكذلك ندعم جهود جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لتحقيق هذه الغاية ". وخلال هذا العام، تتقدم الديبولوماسية الصينية وفقا لما دعا اليه الرئيس شي. ففي ديسمبر عام 2016 ، صوتت الصين لصالح قرار مجلس الامن الدولي الذي يدين اسرائيل في بناء اللمستوطنات. ودعمت الجهود الفلسطينية في الانضمام إلى المنظمات المعنية للأمم المتحدة، وشاركت بكل ايجابية ونشاط في المؤتمر الدولي للسلام الذي استضافته فرنسا ، ولا زالت مصرة على أن "حل الدولتين" هو الحل الوحيد للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وقد لاقى الموقف الموضوعي والعادل للصين في موضوع المحادثات السلمية الاشادة والتقدير العاليين من لدن الدول العربية ، وفي 12 مايو/ايار 2016 ، وخلال الدورة السابعة للمؤتمر الوزاري لمنتدى التعاونالصيني العربي ، وقعت الصين و 21 دولة عربية عضو في جامعة الدول العربية ت على "إعلان الدوحة"  الداعم لموقف الصين من  قضية بحر الصين الجنوبي.

وفيما يتعلق بمسألة التحديث السياسي في الشرق الأوسط ،  فان الصين تشجع وتدعم عملية الإصلاح القابلة للسيطرة ومن الأعلى إلى الأسفل وبشكل تدريجي. فمنذ عام 2011  وامريكا وكما الدول الاوروبية تدعم وبنشاط ما يسمى  ب "الثورة الديمقراطية" للدول العربية ، مما ادى الى سلبيات كبيرة . ولا تزال دول الشرق الأوسط منقسمة الى فريقين بشأن قضية " الثورة " ، فقطر وتركيا وبعض البلدان الأخرى تدعم "الثورة"،بينما السعودية ومصر وبعض البلدان الأخرى تعارض "الثورة"، وتحول الموقف الامريكي والاوروبي من موقف الداعم "  للثورة " إلى المعارض لها . ان وقوع "الربيع العربي"  يشير الى التقوقع ومحدودية الطموح ،  وبدون الاصلاحات لن يكون هناك مخرجا ، وإن فشل "الربيع العربي" يشير إلى أن ثورة العنف وديمقراطية النمط الغربي لن يكون لها مخرجا في الشرق الاوسط ..  توضح عملية التحديث السياسي في الشرق الأوسط منذ أوائل التسعينات في القرن العشرين إلى أن أي نموذج اجنبي مستورد  لا يتأقلم وطبيعة الشرق الأوسط، سواء  أكان نمطا شرقيا او نمطا غربيا دون استثناء ، ولكل بلد في الشرق الأوسط معاناته ومشقاته الخاصة به ، فيجب على هذه الدول استكشاف الطرق الملائمة لظروفها الوطنية الخاصة من خلال الممارسة العملية  . قد أوضحت تجربة  30 عاما من الاصلاح والانفتاح الصينية أن إلاصلاح التدريجي لا  يحافظ  فقط على الاستقرار الاجتماعي بشكل عام ،  بل يستطيع معالجة  القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الملحة، فهو  طريق يستحق اقتباسه وتعلم الدول العربية منه . ان إنجازات الاصلاح والانفتاح في الصين وفشل الإصلاح بالعنف في الدول العربية  ، يدل كلاهما الايجابي والسلبي ، على ضرورة واهمية الإصلاح التدريجي . الصين  لا تتدخل  في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط، كما أنها تطالب الدول الكبرى الأخرى بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الصينية ، فقد اشار  تقرير المؤتمر الثامن عشر بوضوح إلى " معارضة تغيير الانظمة الشرعية  في بلدان أخرى " .. لا يوجد لدى اي دولة في العالم  وصفة للتحديث السياسي في الشرق الاوسط ، كما ولا يوجد أي دولة في الشرق الأوسط اكتشفت طريقا  ذو مغزى واسع ، سواء من حيث النظرية أو الوقت، فإن التجارب التاريخية تدلل فقط على الطرق غير السالكة وغير السليمة ، ولا  تدلل على الطرق السالكة والسليمة .. تتجسد مزايا الإصلاح التدريجي في تمسك الدولة المعنية بزمام المبادرة ، وتجنب  ارتكاب الأخطاء الكبيرة من خلال السير بخطوات صغيرة وتجارب مستمرة. وأشار الرئيس شي قائلا  " فيما يتعلق باستكشاف طريق التنمية، فان النسخ لا مخرج له ، والتقليد يؤدي دائما إلى التيهان، والممارسة  فقد هي التي تأتي بالمعرفة الحقيقية. ان طريق التنمية لاي دولة كانت  يتوقف على  خيار شعب هذا البلد وفقا لتراثه التاريخي وتقاليده الثقافية  و مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيه ". في الحقيقة، إن المبدأ الذي اعلن عنه الرئيس شي جين بينغ والذي يتخذ  "سياسة اللاءات الثلاثة" كجوهر له ،  يرث ويطور المبادئ التقليدية لاستراتيجية الصين الشرق اوسطية .. أشار شيهور الخبير الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط عند تلخيصه لسياسة الصين في الشرق الأوسط مبكرا عام 1979 إلى أن الصين "تختلف عن الدول الكبرى الأخرى، ولا تسعى الصين إلى الحصول على اراض وقواعد ومناطق نفوذ ومصالح اقتصادية ، بل تشجع الحكومات المعنية وشعوبها على معارضة الدول الكبرى  التي تقدم على فعل ذلك ، في الوقت نفسه،  فان الصين لا تتدخل ولا تسعى للاحلال محل هذه القوى الكبرى".

ظلت الدول الكبرى وعلى مدار فترات طويلة من الزمن  تشكل عوامل ضبط كبيرة للاستراتيجية الصينية الشرق اوسطية .. ولكن في  الوقت الراهن بدأت الاستراتيجية الصينية تتخلص تدريجيا من قيود العامل الامريكي .. امريكا  من أكبر العوامل الخارجية في الشرق الأوسط ، وتعتبر جزءا هاما من سياسة المنطقة ..  عادة ما تقوم امريكا واسرئيل بتقسيم الدول والقوى الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط إلى محورين ،  "محور المقاومة" ومحور "الدول العربية المعتدلة"، يتضمن "محور المقاومة" إيران وسوريا وحماس وحزب الله وتنظيم "القاعدة"، و"الدولة الإسلامية"، أما "الدول العربية المعتدلة" فتشمل السعودية ومصر والأردن وقطر وتركيا. ، فمن الواضح أن المحور الثاني هم من  اصدقاء امريكا ، بينما دول المحور الاول من الاعداء لها . ففي الوقت الذي الذي تكون فيه علاقة الصديق والعدو واضحة ، تكون المنطقة الوسطية ( الهامشية ) ضيقة جدا ، فقد تأثرت العلاقات الصينية الايرانية ببعض القيود الاميركية ، لأن الصين تأخذ بعين الاعتبار أهمية العلاقات الصينية الاميركية ..  ففي السنوات الأخيرة، شهد الشرق الأوسط تغيرات  كثيرة على الهيكلية السياسية ، فنرى ان السعودية ومصر وغيرهما من الحلفاء التقليديين حافظت على مسافة معينة في علاقاتها  مع امريكا ؛ بينما شهدت العلاقات بين  امريكا وايران،  العدو التقليدي لها ، بعض التحسن ،  فالصديق لم يبق ذاك الصديق (بنفس الحمية )، والعدو لم يبق ذاك العدو (بنفس العداوة ).  وعلى هذه الخلفية ، ضعفت عوامل التقييد الاميركية على سياسة الصين الشرق اوسطية . وتداخلت المصالح الصينية والمصالح الامريكية الهامة في الشرق الاوسط الى حد كبير ،  ونظريا يمكن القول انه لا يوجد  اي تضارب في المصالح الأساسية بين الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ولكن فيما يتعلق ببعض القضايا المحددة ، هناك اختلاف كبير في استراتيجياتهما ونمط اعمالهما نظرا لاختلاف الايديولوجيات ، والتجارب التاريخية ، اضافة الى العبء التاريخي الثقيل التي تحمله الولايات المتحدة في الشرق الاوسط . فعلى الرغم من ان منطقة الشرق الاوسط لن تكون منصة جديدة للتعاون الصيني الامريكي ، ولكنها يجب ان لا تصبح ساحة صراع  جديدة .  فيمكن للصين وامريكا السير معا بشكل متوازي وعدم السير في طريقين مغايرين والعمل على اضعاف واقصاء  احدهما الاّخر  ..

الجزء الرابع    :   

فيما الفترة ما بين عامي  2011 و 2015، ازدادت المشتريات العسكرية للشرق الأوسط بشكل كبير وملحوظ ، حيث بلغت 148.5 مليار دولار اي ما يمثل 25% من المشتريات العسكرية العالمية. والدول التي تحتل المراكز الثلاثة الأولى من حيث المبيعات العسكرية للشرق الاوسط هي الولايات  (53%) والمملكة المتحدة (9.6%) وروسيا (8.2%) . في هذه الفترة، بلغ إجمالي الصادرات العسكرية الصينية تجاه  الشرق الأوسط 423  مليون دولار فقط ، اي بنسبة لا تزيد 3% من اجمالي المبيعات العسكرية العالمية للشرق الاوسط . وفي الفترة نفسها، بلغ إجمالي المبيعات العسكرية الصينية الخارجية  8.447  مليار دولار ، يعني لم يتعد نصيب الشرق الاوسط منها الـ 5% لا أكثر ... في عهد ادارة أوباما،  انتهزت روسيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول التقليدية الكبرى الفرصة لتوسيع نفوذها  العسكري في الشرق الأوسط وتعزيز وجودها العسكري في منطقة الخليج. على سبيل المثال، هناك اكثر من 1200 مقاتل بريطاني في الشرق الأوسط يغطون القوات المسلحة الثلاث البرية والبحرية والجوية .. ففي عام 2015 تم تشييد مقر القيادة العامة للقوات البحرية  في البحرين ؛ وفي عام 2009 ، انشأت فرنسا قاعدة بحرية  لها في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي المرة الأولى التي تقيم فيها فرنسا قواعد عسكرية في الخارج منذ 50 عاما  ، ويتمركز فيها 700 جندي فرنسي .. .

 إن النقص في القدرة العسكرية هو نقطة الضعف في الاستراتيجية الصينية الشرق اوسطية ..  ففي السنوات الأخيرة، اصبح الوجود العسكري الصيني في الشرق الأوسط على  جدول اعمال اهتمامات المجتمع الدولي. من جهة ازداد تشاؤم الناس تجاه العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، ومن جهة أخرى أصبح الناس يثقون أكثر فأكثر بقدرة الصين. وأشار باحث أمريكي إلى أن الولايات المتحدة لديها القدرة على حماية أمن الطاقة في الشرق الأوسط، ولكن الصين دائما ما تنظر لامريكا نظرة المنافس ، وهذا يعتبر مشكلة كبيرة. في ظل العلاقات الغامضة و المعقدة  ، لا صداقة ولا عداوة ،  التي تسود العلاقات الصينية الامريكية  ، ظلت قدرة امريكا على ضرب وتحجيم الاقتصاد الصيني عن طريق الحصار البحري  مكان قلق دائم لدى الصين وكأنه سيف مسلط على رقبتها . في الحقيقة، هناك بعض العلماء الاستراتيجيين الامريكان الذين كانوا دائما ما يدعون الى كبح وحصار امدادات الطاقة للصين كخيار استراتيجي. وثمة خطر آخر، هو أن اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط بدأ بالانخفاض والتراجع ، مما يؤدي بكل تأكيد تراجع استثمارها الاستراتيجي في المنطقة .. في هذا الصدد أشار هاس إلى أنه مع تحقيق امريكا التدريجي للاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة ، سيقل معه تأثير الاضطرابات في  الشرق الاوسط على امريكا  ..  فيجب علينا أن ندرك بأن الاحتمالين المذكورين أعلاه سيبقيان قائمان كالغيمة الداكنة التي لا تغيب ..  في الحقيقة، ان احتمال قيام امريكا باغلاق ومحاصرة الممرات المائية لامدادات  الطاقة الصينية مستبعد  للغاية الا في حال اندلاع حرب شاملة بين البلدين .  فمن واقع الحالة الراهنة التي تعيشها العلاقات الصينية الاميركية ، فان مثل هذا الاحتمال ضعيف جدا ، الا اننا لا يمكن الاستبعاد الكلي  لوقوعه .. حتى ولو حدث ذلك ، يتعين على الصين نقل المواجهة مع الولايات المتحدة الى آسيا والمحيط الهادئ وليس في الشرق الأوسط لأن نفوذ الصين في آسيا والمحيط الهادئ يفوق بشكل ملحوظ على نفوذها في الشرق الأوسط. في المقابل، امريكا بالفعل تقوم باجراء تعديلات على استراتيجيتها العالمية ،لكنها لن تقوم بسحب ترتيباتها  في الشرق الأوسط في آن واحد.  لأنها لا تزال تتمتع بمصالح هامة في تلك المنطقة ، مثل مكافحة الإرهاب، أسعار النفط العالمية، أمن إسرائيل، إمدادات النفط للحلفاء وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى عناية ومتابعة الولايات المتحدة.

إن القوة العسكرية العالمية هي تجسيد طبيعي للدولة العظمى ،  الصين تعتبر دولة كبرى وليست بدولة عظمى ، ان بناء  وجود عسكري عالمي (عابر الحدود)  يفوق طاقة وقدرات الصين . فاذا نظرنا للوضع من حيث الحجم الاقتصادي ، فان الحجم الاقتصادي الصيني (الناتج المحلي الإجمالي) قد بلغ اكثر من نصف مثيله الأمريكي ،  والفارق بينهما ليس بكبير ، إلا أن مكانة  امريكا " الدولة العسكرية العالمية الكبرى  " لا تقوم او تعتمد على  حجم اقتصادها فقط، بل تقوم على الاسس الاقتصادية والعسكرية والسياسية معا ..  ففي عام 2012 بلغت النفقات العسكرية الاميركية 711 مليار دولار ، اي ما يمثل 4.7% من اجمالي الناتج المحلي الامريكي (GDP)  . في عامي 1991 و2004،  شكلت النفقات العسكرية التي استخدمتها امريكا لحماية  إنتاج النفط في منطقة الخليج لهذين العامين 9.5% و 12%  على التوالي من  اجمالي النفقات العسكرية.وتفيد التقديرات بأن النفقات العسكرية السنوية للقوات الاميركية المرابطة في منطقة الخليج تتراوح ما بين 60 الى 80  مليار دولار .. في المقابل، بلغت النفقات العسكرية الصينية 143 مليار دولار في عام 2012 والتي تمثل 2% من اجمالي الناتج المحلي الصيني ..  ان اجمالي النفقات العسكرية السنوية للصين تمثل نصف  النفقات السنوية للقوات الأمريكية المرابطة في منطقة الخليج. هذا بالاضافة الى ان الموضوع لا يقتصر فقط على مسألة النفقات العسكرية ، بل الاهم من ذلك  التأثير العالمي ونظام التحالف الدولي . تتكون الترتيبات العسكرية الأمريكية من شبكة تنتشر من المركز إلى  الدوائر المحيطة..  وفق احصاءات السنة المالية لعام 2012 ، فان 91%  من القوات الأمريكية و84 من قواعدها العسكرية  (من حيث المساحة) تتمركز داخل البلاد، فتنتشر من الداخل الى اسيا واوروبا..  ان القواعد العسكرية الاميركية الثلاث الأكبر خارج البلاد ، اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية ، تتمتع في  68.9% من اجمالي  القدرة العملية العسكرية الأمريكية خارج البلاد . تمتلك  الولايات المتحدة 546 منشآة عسكرية  منتشرة في  42 دولة ، منها 341  منشآة عسكرية مبعثرة في اليابان وألمانيا. ومن ثم تنطلق و تنتشر القوات الاميركية المرابطة في القواعد العسكرية الثلاثة الكبرى اّنقة الذكر الى الاماكن والمناطق الاخرى .. تتمتع الولايات المتحدة بـ 10 قواعد عسكرية في مملكة البحرين يتمركز فيها 2236 جنديا وهم يمثلون 1% من القوات الأمريكية المرابطة خارج البلاد... ففي حال اندلاع حرب في منطقة الشرق الاوسط ، تستطيع الولايات المتحدة تحريك قدرات قتالية من قواعدها العسكرية في ألمانيا وإيطاليا و تركيا، واليونان .  الجدير بالذكر أن الصين ليست بقوة عسكرية عالمية  ، وليس لها القدرة ولا النية او الرغبة  في مواجهة عسكرية عالمية  مع الولايات المتحدة.

إذا لم يكن هناك تواجد عسكري صيني معين في الشرق الأوسط، سيتضاءل  بالطبع الضمان الأساسي لمصالحها الاقتصادية في تلك  المنطقة . على سبيل المثال، عندما يخرج الوضع السياسي المحلي عن نطاق السيطرة ، ستصبح معالجة المشاكل المتمثلة في مكافحة الإرهاب وإخلاء الجاليات الصينية وحماية المهاجرين والحفاظ على المصالح الخارجية مشكلة كبيرة ، كما حدث للجالية الصينية في ليبيا عند اخلائها عام 2011. هناك من  يقول  "  اذا ما اردنا استخلاص التجارب في مجال  امن الطاقة الصيني في العقد الماضي ، فسنجد ضرورة ملحة  الى رفع قدراتنا في التدخل العسكري والسياسي اللازم لضمان مكانة الصين باعتبارها واحدة من أصحاب المصالح الاقتصادية. وفي هذا الصدد ، اقترح هاس على الحكومة الأمريكية " طريقة حكيمة " مفادها الابتعاد قليلا عن  امور الشرق الاوسط ، والبحث عن مصادر اخرى للطاقة في بقاع اخرى في الوقت الذي تعزز فيه  قدراتها على مكافحة  الارهاب  .. وبالنسبة للصين فمن الصعب عليها ترك منطقة الشرق الاوسط  نظرا لاعتماد الصين المفرط على الطاقة  ،  وصعوبة  ايجادها لمصادر بديلة  عن الشرق الاوسط ، فلا يوجد اماها خيارات اخرى سوى  تعزيز قدراتها  على مقاومة المخاطر. ليس لدى الصين قوة عسكرية للتدخل في صراعات المنطقة ، وليس لديها النية ولا الرغبة بالتدخل في الشؤون  لداخلية للشرق الاوسط  ، إلا أنها بحاجة ماسة لامتلاك قدرات كافية  لحماية مصالحها في الخارج ، والتعامل مع تهديدات القوى الفاعلة غير الحكومية .. فعلى المستوى الطويل يتوجب على الصين تعزيز قدراتها وانشطتها العسكرية في الشرق الاوسط ..

في الحقيقة ، انه من الطبيعي أن تقوم الصين بتعزيز مناسب لوجودها العسكري في الخارج بهدف مواجهة تهديدات الأمن غير التقليدية وحماية مصالحها في الخارج ، وإن مثل هذه الترتيبات لن تضر لا بالمصالح الوطنية لدول الشرق الأوسط ولن تبعث بالقلق  للولايات المتحدة أيضا. وأشار إريكسون،  الاستاذ المساعد في الكلية الحربية البحرية الأمريكية، إلى أن هذا النوع من التواجد  العسكري في الخارج  ، لن يكون  تأثيره طفيفا جدا على الامن الدولي  فحسب ،  بل يتمتع بمعاني ايجابية للغاية . ولهذا ، يتوجب على الصين ، في اطارتحديث الدفاع الوطني ،  العمل على  تعزيز قدراتها على الترتيبات العسكرية في الخارج  ،  في الوقت الذي تبحث فيه عن موطيء قددم موثوق لقواتها العسكرية في الخارج في  الميدان الدبلوماسي ، و بناء وجود أمني محكم  كـ  "  الفراشة تلامس سطح الماء" .. في عام 2005 ، وقعت الولايات المتحدة مع سنغافورة " اتفاق الإطارالاستراتيجي"، يسمح فيه للجيش الأمريكي بدخول سنغافورة بالتناوب واستخدام القواعد العسكرية السنغافورية البرية منها والبحرية  بغرض ادارة سفن الإمداد وصيانة الطائرات وسفن القوات الاميركية دون المساس  بالقضايا الحساسة والهامة كالسيادة والدفاع الوطني وغيرها . انها المرة الاولى التي تقدم فيها الولايات المتحدة على مثل هذا النمط في ترتيباتها العسكرية في الخارج والمتمثل في  "موطئ قدم بدلا من القواعد العسكرية ".. يختلف موطئ القدم عن القواعد العسكرية الخارجية اختلافا كبيرا،  فالاولى  تقتصر على القيام  باعمال الصيانة  والتزويد والخدمات اللوجستية للسفن العسكرية ، أما الثانية فيمكن القيام من خلالها بالانشطة والعمليات العسكرية  ضد اهداف في الدول المجاورة عند الحاجة .  ان ترتيبات مراكز التموين التي تسعى اليها الصين من خلال توقيع اتفاقات دبلوماسية مع الدول الصديقة تهدف الى التزود بالاغذية  والمياه العذبة والوقود للسفن الصينية الراسية ، وان مثل هذه الترتيبات ستكون اخف وقعا من الناحية العسكرية من  " موطيء القدم " الامريكي في سينغافورة .. ففي السنوات العشر القادمة ، ستبحث الصين عن مراكز تموين  في البلدان المطلة على المحيط الهندي ..  وقد تشمل الاتفاقات المعنية مع الدول المضيفة ترتيبات التزود بالوقود والإمدادات واستراحة الطاقم والصيانة الخفيفة ، ولن تشمل خدمات الصيانة والامدادات والتجهيزات العسكرية كتلك الترتيبات التي تتمتع بها امريكا ..  الأهم من ذلك، إن هذا النوع من الوجود العسكري  قد يساعد على اجراء التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الشرق الأوسط في المهام غير القتالية مثل مكافحة الإرهاب، ومكافحة القرصنة والمساعدات الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث وغيرها  ، ومن الناحية النظرية، يمكن لأي ميناء في  أي دولة تقديم مثل هذه الخدمات  ، المهم فقط موافقة الدولة المضيفة .. اما من الناحية العملية ، من أجل تجنب الوضع المعقد للصراع السياسي الدولي، يجب علينا أختيار بعض الدول التي يمكن الاعتماد عليها سياسيا،  والفائدة في مثل هذه الترتيبات يتمثل في  قلة التكلفة ، حيث لا حاجة لترتيبات تواجد عسكري كبير ولا يتطلب عقد احلاف  مع الدول المضيفة  ، وفي اللحظات الحاسمة يمكن ان تساعد تلك الترتيبات على  إخلاء الجاليات  الصينية وحماية المصالح الخارجية بالإضافة إلى توفير سلع عامة في مجال الأمن للمجتمع الدولي. في فبراير عام 2016 ، أعلنت وزارة الدفاع الصينية أن عملية بناء المرافق اللوجستية العسكرية في ميناء جيبوتي قد بدأت، وهذه العملية هي المحاولة الأولى بالنسبة للصين  لبناء وجود عسكري في الشرق الأوسط.

من الواضح ان هناك نقاط مشتركة  ونقاط اختلاف كبيرة  في المباديء التي تتعامل بها الصين مع شؤون الشرق الاوسط  ومثيلاتها  الدول الكبرى الاخرى بما فيها  امريكا واوروبا وروسيا ، كما وانها لا تتوافق تماما  مع مواقف الدول الكبيرة في المنطقة ، إن هذه الخصائص تقررها المصالح السياسية والاقتصادية الصينية  والميزات الواقعية للشرق الأوسط،  وتم استكشافها من خلال الممارسات العملية للدبلوماسية الصينية لسنوات عديدة ، ويمكن تسميتها باستراتيجية الشرق الأوسط ذات الخصائص الصينية. وقد سبق للسيد فو لي مين السفير الاميركي السابق في السعودية  ان علق قائلا بأن  خصائص الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط تتمثل  في " السلام والتجارة واقامة صداقات مخلصة مع جميع الدول"

阿尔及利亚 阿拉伯联合酋长国 阿曼 阿拉伯埃及共和国 巴勒斯坦 伊拉克共和国 索马里共和国 毛里塔尼亚伊斯兰共和国 科摩罗伊斯兰联邦共和国 也门共和国 阿拉伯叙利亚共和国 突尼斯共和国 苏丹共和国 沙特阿拉伯王国 摩洛哥王国 大阿拉伯利比亚人民社会主义民众国 黎巴嫩共和国 科威特 卡塔尔 吉布提共和国 巴林王国 约旦哈希姆王国