【中阿社区】【旅游健康】【数字事实】【招商引资】【企业服务】【战略.研究】【投资委员会】【专题活动】【文化.教育】【经贸投资】【政治事务】【快讯】【首 页】
【الرئيسية】【أخبار واحداث】【شؤون سياسية】【تجارة وقتصاد】【ثقافة وتعليم.】【أنشطة خاصة】【مجلس التنمية】【ابحاث استراتيجية】【مؤسسات وخدمات】【فرص وعروض】【ارقام و حقائق】【فيديو وصور】【الجالية العربية】
当前位置: 首页>جامعة الدول العربية>正文

الاتجاهات الناشئة لاستراتيجية الشرق الاوسط ذات الخصائص الصينية

Date : 30\05\2017 No: 2017\PR\0

pics

في مطلع الشهر الماضي حملت وسائل الاعلام الصينية وخاصة المعربة منها العديد من الاخبار والتعليقات حول صدور اول تقرير صيني بشأن الاوضاع في الدول العربية ، ومن تلك التعليقات ما ورد في التقرير الصحفي الصادر عن المركز العربي للمعلومات

 رقم2017/PR/033   تاريخ 01/04/2017  تحت عنوان : " تقرير بشأن الاوضاع في الدول العربية 2016 : لاول مرة.. الشرق الاوسط يصبح جزءا هاما من الاستراتيجية الصينية العالمية " جاء فيه" أصدر معهد دراسات الدول العربية الصينية التابع لجامعة نينغشيا بالتعاون مع دار النشر للعلوم الاجتماعية الصينية اليوم ببكين "تقرير الوضع في الدول العربية 2016".وذكر التقرير أن السياسات الاقتصادية النشطة والسياسية والأمنية المحافظة سمات الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط خلال السنوات الـ20 الماضية، الأمر الذي جعل الصين الدولة الكبيرة الوحيدة التي لم ترتكب خطءا كبيرا في منطقة الشرق الاوسط. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، دفعت القوتان المتنازعان الصين الى مركز المسرح السياسي في الشرق الاوسط. من ناحية، تدويل سياسة الشرق الاوسط تدريجيا، حيث أن قضية الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، وتنظيم " الدولة الاسلامية"، والازمة السورية وغيرها من الاحداث ذات التاثير العالمي، يجب على الصين أن تتحمل مسؤولية قوى العظمى العالمية. ومن ناحية أخرى، خطى التبادل التجاري والاستثماري الصيني خطوات كبيرة إلى الأمام في منطقة الشرق الاوسط، وتربط الصين مع الشرق الاوسط ارتباطا وثيقا. تاريخيا، تمتلك الصين للمرة الأولى المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية في نفس الوقت في المنطقة، ويجب عليها توضيح موقفها في بعض القضايا. لذا، يصبح الشرق الاوسط لاول مرة جزءا هاما من الاسراتيجية الصينية العالمية، والصين في حاجة ماسة الى أن يكون لها استراتيجية كاملة وواضحة ومستدامة في منطقة الشرق الاوسط.

وفي تقرير صحفي اّخر صدر عن المركز العربي للمعلومات تحت رقم2017/PR/035   تاريخ 01/04/2017  تحت عنوان " إصدار تقرير سنوي حول اوضاع الدول العربية في الصين "جاء فيه :" جرت مراسم اصدار لأول تقرير حول اوضاع الدول العربية (2016) في اليوم الأول من ابريل الجاري بمدينة بكين العاصمة بحضور عدد من الشخصيات الصينية البارزة في الدوائر السياسية والأكاديمية والتعليمية ، وبرعاية مشتركة من كلية الدراسة الصينية للدول العربية والتابعة لجامعة نينغشيا بشمال غربي الصين ودار النشر لأكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية. وقال لي شاو شيان رئيس كلية الدراسة الصينية للدول العربية لجامعة نينغشيا ونائب رئيس أكاديمية الشرق الأوسط الصينية . إن هذا التقرير هو أول تقرير صيني سنوي يخص الدول العربية، داعيا إلى تعميق دراسة الشرق الأوسط وخصوصا الدول العربية. وأكد أن الدول العربية، التي مرت ولاتزال تمر بتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية جسيمة، تتحلى بأهمية بالغة في عملية بناء الحزام والطريق. فيتوجب على مراكز البحوث الصينية متابعة ودراسة هذه الدول باستمرار.ونوه لي بأن هذا التقرير يعد تجربة جديدة، معربا عن النية في إعداد وإصدار تقارير وربما بأشكال أخرى في السنوات القادمة لتركز على أحدث التطورات في الدول العربية وخاصة تلك الدول الرئيسية بما يقدم معلومات للهيئات والشركات المعنية حتى الأفراد في الصين كي يغتنموا الفرص مع تحسب المخاطر الكامنة أثناء التبادل مع الدول العربية. من جانبه، قال يو هونغ جيون نائب الرئيس السابق للقطاع الدولي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني إنه قد مضى ربع قرن على تقلبات الشرق الأوسط التي بدأت منذ عملية عاصفة الصحراء بما ترك تأثيرات عميقة وواسعة في الوضع الدولي حيث غير التوازن السياسي الإقليمي والدولي والمعادلة العالمية حتى اتجاه التطور البشري .وعند تعليقه على العلاقات الصينية العربية، قال يو إن الصين أقامت علاقات مع الدول العربية منذ الخمسينات من القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقات الثنائية تطورا سريعا في شتى المجالات مثل التعاون الوثيق بين الصين ودول الخليج في مجال الطاقة.واستطرد قائلا : غدا منتدى التعاون الصيني العربي آلية التعاون الأكثر فعالية وأداء بين الصين والدول الأخرى بالإضافة إلى منتدى التعاون الصيني الإفريقي .وأكد يو أنه ينبغي تعميق دراسة الدول العربية في مساعي تطوير العلاقات الصينية العربية والعلاقات الصينية الإسلامية وبناء الحزام والطريق حيث ترتبط تطورات وضع الدول العربية بعملية بناء الحزام والطريق بشكل وثيق.وتابع أن تقرير وضع الدول العربية (2016) يساعد على إدراك وضع الدول العربية وكذا الوضع الدولي آملا في قيام مراكز البحوث الصينية بمتابعة تطورات العالم العربي والعلاقات داخل الدول العربية والعلاقات بين العالم العربي والعالم الخارجي. وبدوره أشاد تشو لي نائب رئيس أكاديمية الشرق الأوسط الصينية والرئيس السابق لجامعة الدراسات الدولية في بكين بأن هذا التقرير سيساعد الحكومة ومراكز البحوث والجامعات والأفراد في الصين على معرفة الدول العربية والشرق الأوسط بشكل أفضل "

ملاحظة  : تجدر الإشارة إلى أن  معهد الدراسات الصينية للدول العربية التابعة لجامعة نينغشيا تأسس في ديسمبر 2014 بمدينة ينتشوان عاصمة منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوي. ويجمع المعهد بين البحوث الأكاديمية والخدمات الاستشارية وتربية الأكفاء ..

الفهرس

يضم " تقرير اوضاع الدول العربية (2016) " مقدمة وثمانية  فصول :

الباب  الاول                             الاوضاع  العامة للدول العربية

الباب الثاني                             مصر     :  تتقدم بعزيمة  وسط الصعاب

الباب الثالث                            السعودية : تتقدم بصعوبة تحت ضغوط متعددة

الباب الرابع                           اليمن      : غارقة في دوامة الحرب الأهلية

الباب الخامس                          المغرب العربي : تونس والمغرب والجزائر

الباب السادس                         " الدولة الاسلامية "  : حالة البقاء واستشراف المستقبل

الباب السابع                           المسألة الكردية :  الوضع الراهن والاّفاق المستقبلية

الباب الثامن                          الاتجاهات الناشئة لاستراتيجية الشرق الاوسط ذات الخصائص الصينية

المقدمة

بقلم لي شياو شيان

 انفجرت التناقضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي  عام 2011 بعد مدة طويلة من التراكمات ، محدثة تغييرات تاريخية في مجمل الاوضاع  .  حيث شهدت كل من تونس ومصر وليبيا واليمن تغير انظمتها واضطرابات سياسية ومرحلة انتقالية صعبة ، ولا زالت تونس ومصر تستكشفا طريقهما بمشقة ، بينما دخلت ليبيا واليمن في حرب اهلية ضروس ..وتحت تأثير الفكر الغربي   "الثورات الملونة" (ما يسمى ب "ثورة الياسمين" و "الربيع العربي") والتدخل الانتقائي ، دخلت سوريا في كارثة  " حرب وكالة معقدة  " لم يشهد التاريخ مثيلا لها  ، مما ادى الى ولادة  "الدولة الإسلامية" كطبعة جديدة  ل "تنظيم القاعدة" ، للفتك بالعالم كله  ..  اليوم ،  فان  الأنظمة السياسة التي أنشئت ما بعد الحرب العالمية الاولى واستمرت قائمة وتعمل  لاكثر من مائة عام  في العراق وسوريا مجرى الرافدين ، والذي يطلق عليهما  ب " منطقة القلب " بالنسبة للعالم العربي والشرق الاوسط  ، بات يميل نحو  الغروب والانهيار  ، بينما " الدولة الاسلامية "  لا زالت مستعرة  " وان اكثر من نصف الشعب السوري اصبحوا لاجئين ( النصف منهم لاجئ في الخارج والنصف الاخر نازح بلا بيت ولا مأوى داخل البلاد  ) ، بينما  منطقة الحكم الذاتي للاكراد العراقية اصبحت تتصرف  كدولة ذات سيادة .. ان حالة  الفوضى والاضطرابات التي يعيشها العالم العربي  يشكل تهديدا خطيرا  للنظام العالمي .. وان تطور هذا الوضع وافاقه المستقبلية قد لفت اهتمام العالم  ..

" تقرير أوضاع الدول العربية " هو تقرير سنوي من تنظيم واعداد معهد الدراسات الصينية والدول العربية التابع لجامعة نينغشيا  ، ويهدف إلى دراسة ومتابعة الاوضاع العامة للدول العربية ، والأوضاع الخاصة للدول المحورية فيها ، ومتابعة تطورات الاحداث الهامة  ذات التأثير على مجرى الاوضاع  في البلاد وغيرها من المواضيع التخصصية الهامة، مما يعكس بشكل شامل احدث التطورات للاوضاع في العالم العربي ..  يقدم " تقرير أوضاع الدول العربية (2016) "  لمحة عامة عن تطورات الاوضاع في  الدول العربية عام 2016، ويركز على الاوضاع الداخلية والخارجية لكل من مصر والسعودية واليمن ودول المغرب العربي الثلاث، كما يقدم  تحليلا وتصورا  للوضع الراهن والمستقبلي  لـ "الدولة الإسلامية" والقضية الكردية ، واخيرايقدم التقرير عرضا لحالة العلاقات القائمة بين بلادنا ودول الشرق الاوسط بما فيها الدول العربية ، وكما التفكير الاستراتيجي حيالها ..

نأمل ان يساعد هذا التقرير جميع الدوائر ذات العلاقة ب " الحزام والطريق " وكما المؤسسات التجارية والافرد  على الفهم السليم للاوضاع في الدول العربية ومنطقة الشرق الاوسط التي تعيش تغيرات وتقلبات لم تتعرض لها منذ مئات السنين .

الباب الاول

الاوضاع العامة للدول العربية

ظلت  الاوضاع السياسية والاقتصادية والامنية  في الدول العربية في احتدام وتفاقم طوال عام  2016 ، على غرار الاتجاه الذي ظل سائدا منذ بدء التغيرات الهائلة  التي عصفت في المنطقة .. وبشكل عام يمكن القول انه لم يظهر اي تحسن على الاوضاع العربية ، فالاوضاع الامنية لازالت خطرة ، وعملية الانتقال السياسي باهتة . بينما الاصلاحات الاقتصادية  في تقدم   ..

الحالات الثلاثة للدول العربية

يمكن تصنيف الدول العربية في الوقت الراهن الى ثلاثة حالات ، الاولى  سوريا واليمن وليبيا والعراق وغيرها من الدول التي مزقتها الحروب . فالحروب ظلت مستعرة  فيها ، والمسيرة السمية طغى عليها الغموض والضبابية . الثانية  الدول التي تخلصت بصعوبة ومشقة  من الاضرابات السياسية  كمصر وتونس وغيرهما ،  حيث ظهر تباينات في خضم عملية انتقالها السياسي ، فالبعض منها عاد مجددا الى النظم السياسية الاستبدادية  بل واكثر فظاعة مما كانت عليه . فالاوضاع في مصر على سبيل المثال استقرت الى حد كبير في ظل الاجرءات الصارمة التي فرضها الرئيس السيسي للحفاظ على الاستقرار ، الا ان الاوضاع الاقتصادية دخلت في ازمة خطيرة . ونظرا لشح العملة الصعبة ، والانخفاض الحاد في سعر صرف الجنيه المصري ، والارتفاع الحاد في معدلات التضخم ، اضطرت  مصر  إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية . اما تونس وعلى الرغم من انها تمثل " القدوة "  للدول العربية من حيث المصالحة السياسية وتناوب الاحزاب الحاكمة ، إلا أن اعادة التشكيل المستمر لمجلس الوزراء والفراغ الحكومي الدائم حالا دون تحقيق اهداف الحوكمة والتنمية .. الثالثة الدول الخليجية المنتجة للنفط ممثلة بالسعودية . امام الوضع الصعب المتمثل في الهبوط الحاد لاسعار النفط  والعجز المالي  شرعت السعودية والدول الخليجية الاخرى  في البحث عن  اساليب جديدة  للاصلاح والتغيير ، فتبنت "رؤية 2030"  وسلسلة اخرى من الخطط والسياسات الاصلاحية والتنموية ، في محاولة منها  للتخلص التدريجي من اعتمادها المفرط على النفط وتحويل نمط اقتصادها والتزاماتها الاجتماعية ، وتشكيل نمط انتاجيي للتنمية الاقتصادية ، خفض الدعم وزيادة الضرائب وإعادة نسج العلاقات الاجتماعية .. ولكن وبسبب اعتماد اقتصاد السعودية وغيرها من الدول الخليجية المنتجة للنفط بشكل مفرط على العائدات النفطية ، فان صعوبات وعراقيل جمة تواجه  تنمية الاقتصاد غير النفطي والقطاع الخاص ، وان مستقبل الاقتصاد غير النفطي لا يدعو الى التفاؤل الكبير  ..

خروج أمريكي ودخول روسي

وعلى الصعيد الدولي يمكن ان نرى أن لعبة الدول الكبرى في الوطن العربي اتسمت عام 2016 بخاصية  الخروج الامريكي والدخول الروسي ، حيث اتخذت أمريكا وروسيا استراتيجيات مغايرة في مواجهة الفوضى التي عمت الشرق الاوسط . ان الرغبة الامريكية  في الانسحاب التدريجي من الشرق الاوسط هي رغبة قوية ، لذا   " لم تلجأ امريكا الى الصراع والتنافس مع روسيا "  في المسألة السورية ، بل اتخذت أسلوب " التوازن خارج الحدود" ،  وكأنها لا تلتمس الهيمنة في هذه المسألة  . فعلى صعيد " الدولة الاسلامية " ، تواصل هجماتها الجوية لاضعاف قوة هذه المنظمة ، و تقوم ايضا بدعم التكتيكات القتالية للاكراد . في المقابل فان روسيا تدخلت  وبوتيرة عالية في المسألة السورية ، مما احدث انعطافا كبيرا على مجرى الحرب فيها عام 2016 . فالتباين بين الاستراتيجيتين الامركية والروسية  ادى الى تباين في الأوضاع الاستيراتيجية للشركاء الاقليميين. حيث كان لسلطة بشار وايران الكلمة العليا ، بينما السعودية والدول الخليجية  كانت في وضع غير مؤات . في حقيقة الامر هناك  توافق استيراتيجي الى حد ما  بين أمريكا وروسيا في المسألة السورية  وضرب داعش، حيث تقر أمريكا بالانشطة العسكرية التي تقوم بها روسيا ، وتخلت عن هدفها المتمثل بتغيير الحكم في سوريا ، كل تلك المؤشرات تدل على الاعتراف الامريكي بالدور الروسي المبادر  في المسألة السورية ، وفي الوقت نفسه تتطلع امريكا فعلا الى التعاون مع روسيا في موضوع ضرب  " الدولة الاسلامية " .

إعادة هيكلة المشهد الجيوسياسي

تسيطر " الدولة الاسلامية " وغيرها من الكيانات الفاعلة غير الحكومية على مناطق شاسعة من الاراضي ، كما تعرض النظام القومي للعالم العربي  الى هزات وضربات قوية .  وقد نهضت القوات المسلحة  للمجموعة ذات الصبغة الطائفية في خضم النضال ضد " الدولة الاسلامية ، وفي الواقع ساعد ذلك على تفاقم وتعميق التناقضات بين الطوائف الدينية ، مما ادى الى ظهور نزعة  طائفية اللون في خضم مكافحة الإرهاب وهذا ما وفر ارضا خصبة لتمددها وانتشارها . ويمكن التنبؤ بأن التناقضات بين الطوائف الدينية في العراق وسوريا وغيرهما ستستمر وتتواصل حتى بعد القضاء على " الدولة الاسلامية " .. ان نهضة الكيانات الفاعلة غير الحكومية لم يأت  بتحديات امنية فحسب بل أثر أيضا على النظام القومي للعالم العربي ، فالقوات الكردية انتهزت فرصة ضرب " الدولة الاسلامية " لتقوية ذاتها ، مما شكل حافزا  ودافعا لدى الاكراد في اقامة دولة مستقلة خاصة بهم . هذه الاتجاهات اتت بمخاطر جسيمة على نظام قومية الدولة للعالم العربي الذي هو ضعيف من حيث الاساس . ستواجه الدول ذات الانقسام الطائفي كسوريا والعراق عقبات وصعوبات كبيرة في طريق اعادة ترتيب وبناء الهيكلية القومية ، حيث ستواجه واقعا خطيرا في تفكك الدولة وانقسامها .

وعلى المستوى الاقليمي ،  فان قوة ومكانة الدول العربية التقليدية كمصر والعراق وسوريا وغيرها مستمرة في التراجع ، وان المركز الجيوسياسي اّخذ في التوجه شرقا نحو الخليج  ، لكن السعودية وغيرها من دول الخليج ليس لديها القدرة على قيادة العالم العربي . ان اعدام المملكة العربية السعودية لرجل الدين الشيعي نمر النمر ديزني مطحنة  عام 2016 ، اثار حربا دبلوماسية قوية مع ايران . وبادرت السعودية بتشكيل حلف ضد ايران . بهدف التأكيد على مكانتها القيادية للعالم العربي من ناحية ولاظهار تخوفها وقلقها من الاتفاق النووي الايراني ، ومن تحسين العلاقات الاميركية الايرانية واهتزاز الاسس التحالفية القائمة بين السعودية وامريكا من جهة اخرى  . ومع ذلك،  تواصل ايران  تفوقها السياسي والاستراتيجي في  سوريا والعراق واليمن والعديد من الدول  العربية الاخرى ، وان استراتيجية التنسيق السعودي العربي لكبح ايران غير فاعلة ، وعلى صعيد الوضع الداخلي العربي ، تعرضت العلاقات المصرية السعودية عام 2016 الى بعض الصعوبات والتقلبات ، فعلى سبيل المثال لم تستطع مصر اعادة الجزيرتين المعنيتين للسعودية وفق الاتفاق الموقع عليه بين الجانبين ، وعلى مستوى مجلس الامن لم يتماثلا في التصويت مما اثار الغضب الشديد لدى السعودية  ودفعها الى وقف الامدادات النفطية  لمصر  ، كل تلك المؤشرات توضح  هشاشة وحساسية العلاقات بين البلدين ،   صحيح ان مصر بحاجة للدعم السعودي  لكنها لا تقر بالقيادة السعودية للاقليم

الصراعات الاربعة التي  تحرك الاوضاع

لم تتوقف الاشتباكات العسكرية المندلعة منذ سنوات في كل من الدول الاربعة ، سوريا واليمن وليبيا والعراق ،  وعلى الرغم من ظهور  تحولات كبيرة في الوضع العسكري في سوريا والعراق ، ودخول كل من اليمن وليبيا في مفاوضات سلمية ، الا ان التناقضات العميقة القائمة لم تحل ، ومن الصعب على المدى القصير التخلص من حالة الفوضى والحرب القائمة في هذه الدول الاربع..

لقد شهدت الازمة السورية تحولات كبيرة خلال عام 2016 ، فالدعم الروسي والحلف الشيعي العسكري الذي تقوده ايران احدث  تغيرات واضحة على الوضع العسكري ، حيث استعادت القوات الحكومية مكانة المنتصر  في ساحات الاقتتال ،  ومع نهاية العام استطاعت استعادة سيطرتها على مدينة حلب بشكل كامل ، فالانتصارات العسكرية التي تحققت على الارض جعلت الافاق المستقبلية للحرب الاهلية اكثر وضوحا ، وعادت حكومة الأسد في وضع غير قابل للهزيمة ، كما تم  دفع عملية السلام ، مما اظهر بزوغ فجر الحل السياسي للازمة السورية ، ومع ذلك ظلت الصعاب والعراقيل  كبيرة ومتعددة على صعيد الصراع العسكري وعلى صعيد عملية السلام . فعلى الصعيد العسكري ورغم تعرض قوات المعارضة للكثير من الهزائم الا انها تلقى دعما خارجيا قويا ، وتتجمع حاليا بشكل اساسي  في منطقة ادلب ، ولديها قوة كبيرة ، فلا يمكن القضاء عليها في فترة قصيرة  .  الاطراف المعنية التي تقاتل التنظيم المتطرف "الدولة الإسلامية" ، لم تستعد بشكل مستفيض لما بعد استعادة المناطق منها ، فالعديد من القوى  تعمل على ملء الفراغ التي تتركه تلك المنظمة  ، ومن الممكن ان تقع تحت سيطرة قوى مسلحة غير حكومية  مدعومة من قوى خارجية . وان الهوية العرقية والطائفية لهذه القوى العسكرية  تجعل من الصعب تهدئة الاوضاع في تلك المنطقة ، ومن المحتمل ان تدخل المنطقة في دوامة الصراعات الطائفية ، مما يفتح المجال امام امكانية عودة المنظمات المتطرفة ثانية للمنطقة ..

الصراع العسكري في اليمن لا زال مستمرا ، واالعملية السلمية متوقفة . ان جذور الازمة اليمنية تعود الى المخلفات التي خلفها مشروع الحل السياسي لمجلس التعاون الخليجي ، هذا المشروع اجبر صالح على التنحي فقط  ، وتعيين هادي نائب  الرئيس خلفا له ، بينما استهانت بقوة الحوثين وصالح وامكانياتهما في التأثير على الوضع السياسي في اليمن . وبعد سيطرة القوات الحوثية على السلطة  ، قامت السعودية  بمشاركة بعض الدول العربية  بالتدخل العسكري في اليمن ، الا ان نتائج هذا التدخل تكاد لا تذكر بالمقارنة مع ضخامة ما تم استثماره ، حيث كان الهدف الادنى للتدخل العسكري اعادة حكومة هادي للحكم ، بينما الهدف الاعلى القضاء على القوات العسكرية للحوثيين ، وبعد ما يقارب من عامين من العمليات العسكرية ، فان التحالف العسكري الذي تقوده السعودية لم يسترجع سوى عدن في الجنوب وبعض المناطق الاخرى  ، وبقيت بعيدة كل البعد عن تحقيق الهدفين المحددين ، وفي الحقيقة دخلت السعودية في مستنقع الحرب اليمينة . ففي عام 2016 اجرت الاطراف المتصارعة في اليمن محادثات سلمية دامت اربعة اشهر في الكويت ، ولكنها انتهت دون نتائج تذكر . في الواقع، جميع الأطراف تعي جيدا استحالة حل المشكلة في ساحات القتال ، ولا بد من حلها عبر المحادثات السلمية في نهاية المطاف . ولكن الخلافات حول طريقة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية المستقبلية ومصير الرئيس هادي ومكانة القوات العسكرية للحوثيين عميقة  بين الاطراف المعنية ، وهذا ما ادى الى فشل المحادثات السلمية . المسألة اليمنية ليست وليدة يوم او يومين ، فقبل فترة طويلة من مشهد الاضطرابات الحالية ، كانت الحركة الانفصالية الجنوبية، وتنظيم  "القاعدة" وغيرهما نشطة ولسنوات عديدة . حتى ولو توصلت أطراف النزاع إلى تسوية سياسية ، فان نزعة الارهاب والنزعة الانفصالية ستظلان ولمدة طويلة تؤرقان اليمن ، وتبقى مشكلة اعادة الاعمار في اليمن تواجه تحديات صعبة جدا .. فعلى الاطراف المتصارعة ان تعي جيدا ، انه من المستحيل ان يصبح اي مشروع احادي الجانب  مفتاحا لحل المسألة اليمنية ،  ومن المستحيل ايضا ان يملي اي طرف  مشروع الحل الذي يراه من خلال  كسب المعركة  ، وان المفاوضات السلمية هي الطريقة الوحيدة للحل .  فعلى السعودية وغيرها من الاطراف المعنية بالمسألة اليمنية ، وكما القوات الحوثية وغيرها من الفصائل والقوى اليمنية  ان تعترف  كل منها في محدوديتها . ان الصراع في اليمن هو نتاج التحول السياسي نفسه في البلد ،  فالسعودية والدول المعنية صعدته  الى حرب تنافسية بالوكالة مع ايران ، الامر الذي سيجعل من اليمن ساحة حرب للتنافس الاقليمي ، مما يزيد المشكلة تعقيدا ..

وفي ليبيا تتصاعد وتتفاقم حدة الصراعات بين القوى السياسية والعسكرية ، وكل طرف يعمل على توسيع نفوذه  والسيطرة على السلطة ، وان"الاتفاق السياسي الليبي" الذي وقعته الفصائل الليبية في المغرب "الصخيرات "يحتضر . وكون الصراع بين المناطق المحلية والقبلية متشابك ومعقد، وشراسة المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية ، يمكن اعادة العملية السلمية في ليبيا الى مربعها الاول . في الوقت الراهن هناك اربع  قوى رئيسية في ليبيا . اثنتان منها متواجدتان غربي البلاد ، احداهما "حكومة  الانقاذالوطني " برئاسة  خليفة  الغويل ، وهو الذي يسيطر على البرلمان ويتمتع بالشرعية السياسية . والقوة الثانية هي حكومة الوفاق الوطني  برئاسة فايز السراج   ،  وهي قوة سياسية  تم تشكيلها من جميع الاطراف بعد "اتفاق الصخيرات" . وينظر اليها كتيار علماني وحيد في البلاد وحاصلة على دعم الامم المتحدة . بينما القوة الثالثة هي الحكومة المؤقتة التي تم انتخابها من قبل البرلمان ، وعبد الله الثني  رئيس وزرائها ، وتتمركز في الشرق بمدينة طبرق ، الا ان المحكمة الدستورية العليا اعلنت عن حل هذه الحكومة قبل مضي خمسة شهور على تشكيلها ، بينما القوة الرابعة المتمركزة في شرق البلاد هي القوة العسكرية التي يقودها الجنرال خليفة حفتر والتي تسيطر على اهم المناطق المنتجة للنفط ، ويتلقى الدعم من الخارج . ان اصل الازمة الليبية يكمن في انخفاض مستوى البناء القومي ، فالجين الوراثي للقبلية والاقليمية يحمل في طياته النزعة الانقسامية ، ان الانقسامات التي حصلت في المليشيات المسلحة التي نهضت بعد الاضطرابات زادت صعوبة على الصعوبات التي تواجه اعادة تشكيل حكومة وطنية ، وان ضعف الدعم الدولي للعملية السياسية في ليبيا من الاسباب الهامة للمأزق القائم حاليا ، ولم يتوقف ذلك عند هذا الحد  بل هناك العديد  من الدول الكبرى التي تدعم وكلائها في المنطقة ، مما زاد من تفاقم الانقسامات السياسية وعزز النزعة الانفصالية المسلحة.

بدعم من القوى الخارجية ، قام الجيش العراقي  وقوات المليشيات المسلحة  عام 2016 ، بشن عمليات عسكرية ضد قوات " الدولة الاسلامية "  وحقق انتصارات كبيرة ، واستعاد العديد من المدن والبلدات ، وبدأ بشن هجوم مركزي على مدينة الموصل  معقل المنظمات المتطرفة ، وان  النصر في هذه الحملة عاد مسألة وقت لا اكثر .  لقد نفذ الجيش العراقي هذه العملية بتكتيك " المحاصرة العسكرية من الخارج "  ، وقد لعبت قوات المليشيات الشيعية " قوات الحشد الشعبي "  دورا فاعلا وهاما في هذه المعركة ، وقد شكل ذلك علامة مميزة  للانتقام الطائفي ،  مما يدفع بالصراع الطائفي ، الموجود اصلا في العراق ، للغوص  بشكل اعمق في الحلقة المفرغة .. وغير ذلك فان الانشطة العسكرية التي يقوم بها العراق ضد " الدولة الاسلامية "  ستعزز  النفوذ الإيراني في السياسة العراقية ، وهذه فرصة مؤاتية للاكراد  لتقوية وتعزيز قواتها العسكرية ، مما قد يؤدي الى جولة جديدة من التنافس الجيوسياسي . في الوقت نفسه هناك قلق لعواقب الحرب ، واختبار لمدى عزيمة ومصداقية التحالف الدولي لمكافحة الارهاب  الذي تقوده امريكا ...

تقدم كبير في مجال مكافحة الإرهاب

ان النضال ضد قوات " الدولة الاسلامية " قد أحرز عام 2016 تقدما كبيرا ، فتحت الضربات المشتركة من الاطراف المعنية ، تكبدت خسائر فادحة على الجبهات الثلاث العراقية والسورية والليبية ، فهي في انحطاط واضح ، وتسير نحو الهزيمة الكاملة . ولكنها لا زالت تتمتع بقدر معين من القدرة العسكرية ، فمن ناحية تبدو داخليا مستأسدة كالوحش المحشور ، ومن ناحية اخرى دأبت على تغيير تكتيكاتها . فجزأت قواتها الى فرق صغيرة في محاولة للقيام بهجمات ارهابية متفرقة  على نمط  الذئب الواحد .. ان النضال ضد "الدولة الاسلامية " وغيرها من المنظمات المتطرفة هو مهمة طويلة الامد للمجتمع الدولي ، ليس فقط لأن المجتمع الدولي بحاجة إلى مواجهة عودة عناصر "الدولة الإسلامية ، بل لأن ضرب هذه المنظمة في الوقت الراهن يقتصر فقط على الناحية العسكرية ، فاذا لم نهتم بالاساليب الناعمة في مكافحة الارهاب ، ولم نقم بالتركيز على دحض فكرها التطرفي واستعادة الحق في التفسير الديني ، والقضاء على الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتطرف ، ولم نستطع وضع سياسة شاملة تعالج الفروع والجذور ، فان الحديث حول  القضاء التام على " الدولة الاسلامية " وغيرها من المنظمات المتطرفة سيكون حديثا فارغا ..  يترتب علينا ان نكون في حالة حذر وتيقظ  الى ما  قد يسببه تدفق نزعة التطرف والارهاب من " عقدة الهلع والخوف الاسلامي " في جميع مناطق العالم ، فهناك بعض الحكومات ووسائل الاعلام التي تتسم مواقفها ، عن  قصد أو عن غير قصد  ، بالغموض بالنسبة للحدود الفاصلة بين  الإسلام والتطرف ، الى درجة الربط وبسهولة بين الاثنين . فاذا ما اصبح معاداة الاسلام مناخا على نطاق العالم ، فان المستفيد الأكبر  سيكون المنظمات المتشددة ، والوضع العالمي لمكافحة الإرهاب سيصبح اكثر شدة وخطورة ..

الاصلاح والانفتاح عبء ثقيل ودرب طويل

يمكن القول بأن عام 2016 هو العام الأول للاصلاحات الاقتصادية في الدول العربية . حيث قامت المملكة العربية  السعودية وجمهورية مصر العربية وغيرهما من الكيانات الاقتصادية الرئيسية في العالم العربي بطرح برامج ضخمة للاصلاح الاقتصادي .. ان " رؤية 2030 " السعودية ، هي رؤية استراتيجية تقوم على اقتصاد بعيد عن النفط وايجار الاراضي طرحتها دولة عربية منتجة للنفط على خلفية  تراجع اسعار النفط والصعوبات المالية ، ومقارنة مع استراتيجيات التنويع الاقتصادي المألوفة ، فان هذه الرؤية تم ترقيتها الى المستوى الاستراتيجي الوطني العام للبلاد وتتسم بأهمية استثنائية . وعلى خلفية شح النقد الأجنبي ، تخلت مصر عن سعر الصرف الثابت لعملتها وانتهجت اسلوب التعويم الكامل لسعر الصرف ، وفي نفس الوقت بدأت  وبناء على طلب من صندوق النقد الدولي  بتقليص الاعانات المالية وخفض العجز المالي . ان كل هذه الاصلاحات المتزنة  قد طالت المسائل الجذرية الساكنة كموضوع استئجار الاراضي و " موازنة المعيشة  " في العالم العربي ، ومما لاشك فيه انها تتسم بمعان ايجابية . ان اطلاق هذه البرامج الاصلاحية  يشير الى ان  الدول العربية لا يمكن لها الاستمرار في تقديم الدعم للمواطنين ، وتعمل على توفير  فرص عمل  في الحكومة والجيش وغيرها من ألاساليب مقابل الحصول على تأييد ودعم الرأي العام . وهذا يعني ان العقود الاجتماعية والعلاقات بين الحكومة والمدنيين في الدول العربية سيطرأ عليها تغيرات عميقة . السعودية ومصر اللتان تواجهان صعوبات اقتصادية خطيرة ، اقدمتا وبشجاعة  على  الاصلاحات  ، الا ان افاق تحقيق هدف هذه الاصلاحات لا يدعو الى التفاؤل ، كون مفتاح حل المشاكل الاقتصادية والقضايا المعيشية يكمن في التحديث الصناعي والزراعي ، وإنشاء الصناعات الموجهة للتصدير وكثيفة العمالة ، واصلاح النظم التعليمية وتأهيل الموارد البشرية ، مما يساعد الدول العربية على ايجاد المكانة المناسبة وسط سلسلة القيم العالمية . وان مثل هذا المشروع المتكامل يتطلب جهودا حثيثة من عدة اجيال لاستكماله . ففي الوقت الراهن ، تلجأ مصر وغيرها من الدول الى سياسات اقتصادية تقوم على الاستثمار في بعض مشاريع البنية التحتية الكبيرة لتحقيق النمو الاقتصادي ، وهذا لا يؤدي الى مواجهة معضلة صعوبة التمويل فحسب ، بل قد لا يكون مواّتيا للتنمية الاقتصادية المستدامة ..

على الرغم من ان الاوضاع في الدول العربية  عام 2016 كانت مليئة بالاضطرابات  ، الا انه لا يمكن لنا بأي حال من الاحوال تلخيصها بمثل هذه الكلمة المجردة " اضطرابات "  ، في الواقع يمكننا ان نرى بصيص امل من الفوضى الى التحكم والتنظيم由乱而治. عموما، ينبغي النظر إلى المحنة الحالية التي تعيشها الدول العربية بمثابة تطلع الشعوب العربية  نحو الابتكار والتغيير ، وظهور صعوبات مؤقته في المسيرة التنموية . ان محدودية فعالية الحكومات العربية ، والنقص في إمدادات السلع العامة ، وتواصل الصراعات المسلحة ، وعمق الصراعات الطائفية والعرقية ، وانتشار نزعة التطرف ، كلها تقف عائقا امام التطور السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية . ان تسوية الصراعات في الشرق الاوسط ، ومكافحة الارهاب ونزعة التطرف ، لا تقتصر على جهود الدول العربية فحسب ، بل بحاجة الى تضافر المجتمع الدولي وتعاونه ، لمساعدة الدول العربية على الخروج من المأزق الذي تعيشه وتحقيق  الاستقرار والازدهار والتنمية على المدى الطويل ..

الباب الثاني  مصر     :  تتقدم بعزيمة  وسط الصعاب

الباب الثالث  السعودية : تتقدم بصعوبة تحت ضغوط متعددة

الباب الرابع     اليمن:غارقة في دوامة الحرب الأهلية

الباب الخامس   المغرب العربي : تونس والمغرب والجزائر

الباب السادس    " الدولة الاسلامية "  : حالة البقاء واستشراف المستقبل

الباب السابع

المسألة الكردية :  الوضع الراهن والاّفاق

ولدت المسألة الكردية ابان الحرب العالمية الاولى ، اذ مضى عليها ما يقارب المائة عام ، فهي من اطول  مشاكل منطقة الشرق الاوسط واكثرها امتدادا وتأثيرا ، اضافة الى ما تتسم به من تعقيد وحساسية  . ظلت المسألة الكردية ما بعد الحرب الباردة  تزداد سخونة ، وتتصاعد المكونات السياسية للاكراد .. ففي ظل التغيرات التاريخية الكبيرة  التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط في خضم تحول النظام القديم والجديد  ، بدأت تطرح العديد من الاسئلة والاستفسارات حول الاتجاه الذي ستتجهه المسألة الكردية في نهاية المطاف ، وامكانية نيل الاكراد لاستقلالهم  وغيرها من الاسئلة التي لا تتعلق  فقط  في تقرير مصير اكثر من 30 مليون كردي  ، بل ما لها  من تأثيرات كبيرة على مجمل السياسة الشرق اوسطية والعلاقات الدولية والامن الاقليمي فيه ..

اولا : مبعث المسألة الكردية

يشير ما يسمى بالمسألة الكردية الى مطالب الأمة الكردية في الدول المعنية  ( تركيا والعراق وإيران وسوريا ) في الاعتراف بهويتها كأقلية قومية واحترامها ، وضمان حقوقها الوطنية وتوسيعها، وضمان مشاركتها المتساوية في شؤون الدولة ، والسماح لها في تقرير المصير في المسائل الناجمة عن القضايا السياسية والأمنية والاجتماعية ، بينما يكمن مطلبها الجوهري في تحقيق حكم ذاتي أو الاستقلال .. المشكلة الكردية قائمة وبشكل متفاوت داخل  الدول الاربعة ، ولكن حدتها وطبيعتها  متفاوته من دولة لأخرى ، علاوة على  التباين في اهداف نضالها  ..

ان ملامح الوعي القومي والوطني لدى الأكراد تشكلت تدريجيا ، وان ضعف الامبراطورية العثمانية وسرعة انتشار الافكار الوطنية لاوروبا الغربية ، قد سرع من تشكيل الوعي القومي والوطني لدى الاكراد  .. ومع نهاية القرن التاسع عشر ظهرت القومية الكردية ، والقومية العربية، القومية التركية، والقومية الفارسية ، والصهيونية في وقت واحد تقريبا .. ففي الفترة الواقعة ما بين 1804 ~ 1878، اندلعت اكثر من 50 انتفاضة في كردستان . وفي عام 1914 ، وقبيل اندلاع الحرب العلمية الاولى بدأت القومية الكردية في التبلور ..  وفي 02/08/1914 اندلعت الحرب العالمية الاولى بشكل شامل ، وفي 29/10 من نفس العام شاركت تركيا كونها عضوا اساسيا في معسكر الحلفاء رسميا في الحرب ..ان هذا العمل الجنوني الذي اقدمت عليه حكومة الإمبراطورية العثمانية شكل ضربة قاضية لهذه الامبراطورية الهزيلة الضعيفة ،  وفي نهاية المطاف تم  تسوية  " مشاكل الشرق " التي تراكمت على مدار فترة طويلة  من خلال تفكك الامبراطية ، بينما  المجموعات العرقية التي كانت تحت اشرافها  اما تحررت او انفصلت ، وتم ادرج خيار ومصير الاكراد على جدول الاعمال ايضا .. اما بالنسبة لاراضي الامبراطورية العثمانية التي يسيل لعاب بريطانيا وفرنسا طمعا فيها قد تم تقسيمها بينهما من خلال اتفاقية سرية سميت ب " اتفاقية سايكس بيكو " في 16/05/1916  ، والتي اصبحت فيما بعد الاساس ل "معاهدة سيفر" لتقسيم اراضي الامبراطورية العثمانية .. وفي 30/10/1918 ، وقعت الامبراطورية العثمانية المنهزمة  " اتفاقية مولدر انجليس لوقف اطلاق النار " ، حيث اعلنت استسلامها دون اي شروط . في 10/08/1920  وقعت "معاهدة سيفر" ، التي اكدت بشكل سري على تفتيت الامبراطورية ، وتم  التحديد الواضح للاراضي التي ستخضع للانتداب البريطاني والاراضي التي ستخضع للانتداب الفرنسي  ( العراق وفلسطين لبريطانيا   وسوريا ولبنان لفرنسا ) ، ويتمتع الاكرام بحكم ذاتي ،  ومن ثم يمكنهم  اقامة دولة خاصة بهم عندما تنضج الظروف .. نصت المعاهدة وبشكل واضح ، انه في حال ما رغبت الاغلبية في المنطقة الكردية اقامة دولة مستقلة بهم  ، بعد مضي سنة واحدة على الحكم الذاتي ، فيمكنهم تقديم طلب لحكومة الائتلاف بذلك ..  ان هذه الحالة هي الاولى التي يتم فيها الاعتراف بحق الاكرد في تقرير مصيرهم الوطني  ، واقمة دولة مستقلة خاصة بهم  ، وهذا ما وفر زخما كبيرا للحركة الوطنية الكردية ..

"معاهدة سيفر" دفعت الامة التركية الى منعطف مصيري خطير اما ان تكون او لاتكون . ففجر القوميون الاتراك بزعامة مصطفى كمال " حركة حماية الحقوق " بكل قوة وعنفوان ، وبعد نضال دام خمس سنوات ضد الاحتلال انتصرت حركة التحرير الوطني التركية ، مما ارغم الحلفاء في 24/07/1923 الموافقة على إلغاء "معاهدة سيفر" ،والتوقيع من جديد على "معاهدة لوزان" التي لم تتطرق الى الحكم الذاتي أو الاستقلال للاكراد فحسب ، بل وايضا نادت في الحفاظ على وحدة اراضي الجمهورية التركية  ..  وكاتفاقية الحلفاء ، وعد مصطفى كمال بمنح الاكراد حكما ذاتيا بعد الاستقلال ، الا انه تراجع عن وعده هذا بعد الحرب وانقلب للضغط على الاكراد واضطهادهم . فمن  "معاهدة سيفر" إلى "معاهدة لوزان"  الغيت اّهلية الاكراد في الاستقلال  ، وتم تقسيم كردستان الخاضعة لولاية الامبراطورية العثمانية الى ثلاثة مناطق : شمال كردستان التركية ، وجنوب كردستان العراقية التابعة لبريطانيا ، وغرب كردستان السورية التابعة لفرنسا .. وتأتي هذه الاتفاقية لتصبح تاريخيا  الاتفاقية الثانية التي تقسم كردستان رسميا .  فالى جانب كردستان الشرقية التي تم ضمها الى ايران في القرن السابع عشر تصبح كردستان مجزئة الى اربع مناطق .. ومنذ ذلك الحين ظهرت المشكلة الكردية ..

ثانيا:  الوضع الراهن للمشكلة الكردية وتطورها  

يمكن تقسيم  تطور المشكلة الكردية ، منذ ظهورها عقب الحرب العالمية الاولى وحتى يومنا هذا ، الى خمسة مراحل  ، ولكل مرحلة ميزاتها وسماتها ومضامينها الخاصة بها ..

المرحلة الاولى   (1814 – 1923)  : قبل الحرب العالمية الاولى ، قامت الامبراطورية العثمانية والدولة الفارسية بتقاسم المنطقة التي يعيشون فيها الاكراد . ومع تفككل الامبراطورية العثمانية وتفتتها بعد الحرب ، قسمت كردستان الى اربع مناطق . اتسمت هذه المرحلة بعدم نضوج الحركة الوطنية الكردستانية ، حيث كانت   في مراحلها الاولى على الصعيد الفكري والتنظيمي والقيادي والرأي العام والتعبئة الجماهيرية ، والمقاومة محدودة والقوة صغيرة ومبعثرة ..  وعلى الرغم من قيامهم بسلسلة من الانتفاضات كـ انتفاضة الشيخ  البرزنجي العراقية ( 1919 – 1922 )  ، وانتفاضة بارزاني الايرانية  (1918 – 1920 ) ، الا انها لم تبرز بشكل جيد خصائص او معالم القومية الكردية ، بل اخذت الطابع القبلي والديني بشكل قوي .

المرحلة الثانية  (1823 – 1945)  : شهدت هذه المرحلة  نضالات واسعة للمقاومة الكردية في تركيا وايران والعراق ، بما فيها انتفاضة الشيخ سعيد Sheikh Saeed Uprising (1925)  ، وانتفاضة  Alaratian (1927 - 1930) ، وانتفاضة درسيم (1937 - 1938)  في تركيا ، وانتفاضة برزاني القبلية في العراق  (1930 -  1935 ، 1941 - 1945) ولكنها باءت  في نهاية المطاف بالفشل . تركيا هي مركز حركة الاستقلال الكردية في المنطقة ، والانتفاضات التي شهدتها هي الاوسع والاقوى ، يليها العراق ، وقد احتلت  انتفاضة الشيخ سعيد Sheikh Saeed Uprising  صفحة هامة في تاريخ الحركة الوطنية الكردية . وفي هذه الفترة عمدت كل من تركيا وايران على تنفيذ سياسات صهر ودمج في المناطق الكردية التابعة لكل منهما ، وقد اشتعلت واحتدت التناقضات والصراعات بين الاكراد  والاتراك والفرس على نحو متزايد ، وفي ذلك الوقت كانت كل من العراق وسوريا تحت الانتداب البريطاني والفرنسي ،حيث قامت السلطات البريطانية والفرنسية باعتماد سياسة فضفاضة نسبيا لاستيعاب الاكراد قائمة على مفهوم  "فرق تسد" . وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية بدأ الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة تتعاملان  تدريجيا مع القضية الكردية ، حيث احتل  الجيش السوفياتي منطقة الاكراد في ايران ، واخذ يدعم الحركة الوطنية الكردية  وإنشاء المنظمات السياسية الكردية.

المرحلة الثالثة (1946 -  1990) : اتسمت هذه المرحلة بانتقال مركز الحركة الوطنية الكردية الى العراق ، واندلاع حروب اهلية طويلة و شرسة . ففي الفترتين 1961 - 1970  و 1972 – 1975 ، نشبت حربان اهليتان بين الاكراد والحكومة العراقية  ، حيث اضطرت الحكومة العراقية عام 1970 منح الاكراد حكما ذاتيا .. ففي فترة الحرب العراقية الايرانية  (1980 – 1988) ، وقف اكراد العراق مع ايران وفتحوا جبهة حرب عصابات في شمال العراق .. اما نضال اكراد تركيا فقد استعاد حيويته ونشاطه في خمسينات وستينات القرن الماضي ، بينما اخذ طريق العنف والتطرف مع نهاية السبعبنات ..  ففي عام 1978 تم تأسيس حزب العمال الكردستاني(PKK)وفي عام 1984 اعلن الحزب رسميا عن تفجير حرب عصابات ضد الحكومة .. وفي ايران ايضا  انطلقت وتوسعت الحركة الوطنية الكردية مع نهاية السبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي ، حيث شاركت وبقوة في النضال الهادف الى إسقاط سلالة بهلوي ، الا ان صراعا مسلحا عنيفا وقع مع سلطات الخميني عقب انتصار الثورة مباشرة ..  ففي هذه المرحلة تم انشاء العديد من الاحزاب السياسية التي يمثلها الحزب الديمقراطي الكردي .. وفي 15/08/1945 تم تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني(KDP-I)في ايران ، ومن ثم اقام فروع له في العديد من الدول ، كالحزب الديمقراطي الكردي في العراق(KDP)، فجميع الاحزاب السياسية الكردية  تكاد تكون وليدة الحزب الديمقراطي الكردستاني ، كالاتحاد الوطني الكردستاني في العراق (PUK) مثلا ..  ان ازدهار الحركات الوطنية والديمقراطية في منطقة الشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الثانية  قد دفع تطور الحركة الوطنية الكردية ونموها ، ولكن فيضان وهوس النزعة القومية ، وقوة دفع حركة التعريب ولأتركة ، ادى الى وقوع صدامات واشتباكات عنيفة بين القوميون الاكراد أنفسهم .. ومع الحرب الباردة الاميركية السوفياتية ، اصبح الاكراد وبشكل طبيعي اداة تم استخدامها من قبل السوفيات والامريكان للهيمنة على منطقة الشرق الاوسط .. ففي البداية كانت المنظمات الكردية تقف بشكل عام موالية للسوفيات ، ولكن الاكراد في العراق انقلبوا  مع بداية سبعينات القرن الماضي واتجهوا نحو امريكا  ..

المرحلة الرابعة  (1991 -  2011) : ان التغيرات لكبيرة التي طرأت على التشكيلة الدولية والجيوسياسية في الشرق الأوسط  بعد الحرب الباردة ، قد تركت اثار كبيرة على المسألة الكردية ، وابرزها حادثة "9.11" ، ففي هذه الفترة قامت امريكا على التوالي بشن حرب الخليج (عام 1991) وحرب العراق (2003) ، حيث سرعت امريكا خطى التحول الديمقراطي في الشرق الاوسط ، وتم لاطاحة بسلطة حزب البعث لصدام واقامة نظام فيدرالي في العراق يتساوى فيه الأطراف الثلاثة الاكراد ، و الشيعة العرب ، والسنة العرب في السياسة الوطنية  ، حيث حصل الاكراد بالمعنى الحقيقي على حكم ذاتي ، ليصبح " دولة داخل دولة " .. ان حصول الاكراد في العراق على حكم ذاتي ( في الحقيقة استقلال ) ، قد شكل ضغطا كبيرا على حكومات تركيا وايران وسوريا .. ففي تركيا اشتد واحتدم النضال المسلح لحزب العمال الكردي ، بحيث اصبحت المشكلة الكردية مشكلة سياسية واجتماعية خطيرة  كما جذبت المزيد من اهتمام المجتمع الدولي ، مما دفع الحكومة التركية الى التخفيف التدريجي من حظر اللغة والثقافة الكردية ، وتوسيع المشاركة السياسية للاكراد ، وتوسيع الاستثمار في المناطق الكردية .  اما في ايران ، التي اصبحت المسألة النووية فيها  نقطة اقليمية ساخنة  كون  ادارة بوش ادرجتها  على لائحة  "  محور الشر "  ، فاصبحت القوات المسلحة الكردية  تحت قيادة حزب الحياة الحرة  (PJAK)المناهضة للحكومة الايرانية رهينة في يد امريكا ، حيث تتخذ من شمال العراق قاعدة لها  لتقوم بهجمات مستمرة ضد قوات امن الايرانية ..

المرحلة الخامسة   (2011 - حتى عامنا هذا ) : ان اندلاع ما يسمى بـ " الربيع العربي " اوائل عام 2011 أدخل منطقة الشرق الاوسط في اضطرابات شديدة ، وكان الأكراد اكثر المستفيدين منه ، لذلك، دائما ما يطلق على "الربيع العربي"  بـ "الربيع الكردي".  فقد ازداد تحسن اوضاع الاكراد في عهد  حكومة أردوغان . ففي نوفمبر 2011 ،  وبصفته رئيسا للوزراء قدم أردوغان اعتذارا تاريخيا للاكراد على المذبحة التي اقدم عليها جيش الحكومة في ثلاثينات القرن العشرين ضدهم ، ورفع الحظر عن مناقشات القضية الكردية بين العامة واستخدام اللغة الكردية وغير ذلك  من المحرمات ، وفي 12/06/2012  اعلن أردوغان السماح  بتدريس اللغة الكردية في المدارس العامة ، وفي اكتوبر استأنف المفاوضات السلمية سرا مع حزب العمال الكردي ، وفي اّذار 2013  تم الاعلان عن وقف اطلاق النار ، وأعرب حزب العمال عن رغبته في القاء السلاح  ومغادرة تركيا.. ولكن سرعان ما عادت الاحتكاكات بين حزب العمال والحكومة  عام 2015 ، وتصاعدت حدة الاشتباكات  المسلحة بين الطرفين .. فوفق احصائيات " منظمة الازمات الدولية "(International Crisis Group)، اسفرت تلك لاشتبكات المسلحة بين حزب العمال وقوات الامن التركي في الفترة الواقعة ما بين تموز 2015 ولغاية 16/12/2016  عن مصرع 2481 قتيلا ( من يناير 2011  وحزيران 2015 بلغ عدد القتلى 1038 ) . اما في سوريا ، فقد واجه الاأكراد فرصة مؤاتية لتغيير مصيرهم على نحو شامل  ، فقد اعلن الرئيس بشار في اّذار 2011 عن اعترافه بمكانة الاكراد كأقلية قومية ، واعطى الأوامر  لحل  مشكلة 3000 الف من المعلقين دون مواطنه، وكما بادر الجيش الحكومي بالانسحاب الطوعي من المنطقة الكردية  مقابل ان يلتزم الاكراد الحياد ..  استغل الاكراد هذه الفرصة  الذهبية واسسوا حزبهم السياسي وقواتهم المسلحة ، وسيطروا بشكل فعلي على المنطقة الكردية ..  وقاموا بتشكيل  " حكومة ذاتية مؤقتة " ومجلس وطني كردي (KNC) ،  وفي تموز 2012  وقع المجلس الوطني الكردي اتفاقية مع حزب التحالف الكردي اقوى الاحزاب في سوريا (PYD   المسمى من قبل الغرب بفرع حزب العمال الكردي في سوريا )  بشأن تشكيل اللجنة الكردية العليا ، وتشكيل  مليشيات مسلحة " جيش حماية الشعب " (YPG)،  الذي  بلغ تعداده 5000 مسلح . ففي يناير 2014 ،  تم تشكيل حكومة الاستقلال الذاتي وسن الدستور وتنظيم الانتخابات ..  وفي اّذار 2016  اعلن الاكراد عن تأسيس "الاتحاد الكردي لشمال سوريا " "Northern Kurdish Federal Republic of Syria"  ، وفي نهاية العام نفسه تم الاعلان عن تأسيس جيش الاتحاد .. اعرب زعيم  الحزب الديمقراطي الكردي السوري " أن الاكراد بدأوا يحكمون هذه الارض التي ظلت تحت حكم العرب لأكثر من الف سنة  ، وعاد الاكراد اليوم يقررون مصيرهم بأنفسهم ..

في العراق ، بعد  انسحاب القوات الامريكية في نهاية عام 2011 ، واندلاع " الربيع العربي "  دخلت منطقة الشرق الاوسط الشرق في دوامة من الاضطرابات الشاملة ، وان التوازن السياسي الهش الذي تشكل خلال التواجد العسكري الامريكي سرعان ما انتهى واحتدم النضال السياسي داخل العراق، وبدأت تبرز وتتفاقم التناقضات بين السنة والشيعة من العرب وبين الحكومة المركزية ومنطقة الاكراد ، وظهر ميول الانفصال لدى الاكراد بكل وضوح.. فقد سبق وان ندد رئيس حكومة إقليم كردستان مسعود بارزاني وبشكل علني بالقيادة العراقية ممثلة بالمالكي واصفا اياها  بـ " الدكتاتورية "  ومنوها  بأن الأكراد سيسعون الى الاستقلال .. وخاصة بعد نهضة المنظمة المتطرفة " "الدولة الإسلامية في العراق والشام" ، واستيلائها بالقوة على العديد من المدن في حزيران 2014 ، الامر الذي زاد من خطورة  الخلافات القائمة بين الفصائل الثلاثة . انتهزت القوات المسلحة الكردية الفرصة وقامت باحتلال كركوك واثنين من حقول النفط ، وقد اعرب برزاني وبكل وضوح في حزيران العام الجاري " ان " الوقت قد حان  لتقرير مصيرنا ، ولا يمكن ان ننتظر الاّخرين لفعل ذلك " ، وقد أكد على ان العراق لن يعود كما كان عليه في الماضي ، وقال ان استفتاء شعبيا سينظم في منطقة الحكم الذاتي للتصويت على موضوع الاستقلال ، وطالب البرلمان التحضير الجيد  لذلك .. واعاد التأكيد على ان الحدود الجديدة للاقليم سيعاد ترسيمها من خلال صراع دموي .. وفي الوقت نفسه  تعزز التواصل والتعاون بين الاكراد في الدول الاخرى ، فعلى سبيل المثال لقد تلقوا اكراد سوريا الدعم الكبير من حكومة الاكراد في العراق ومن حزب العمال الكردي في تركيا ، بما في ذلك الدعم المالي والإرشاد التنظيمي وتدريب وتأهيل الكفاءات ..  

ثالثا  : الوضع الراهن للمشكلة الكردية في الدول الاربعة

المسألة الكردية في تركيا . لقد عانى الأكراد في تركيا افظع تمييز في التاريخ ، وادنى وضع اجتماعي  مقارنة بأمثالهم الذين يعيشون في الدول الاربعة .. فبعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 ، شرعت في تنفيذ سياسة التتريك تجاه  الاكراد واذابة هويتهم ، وشطبت كلمة الاكراد و " كردستان " من جميع الخرائط والوثائق الرسمية التركية ، وعدم الاعتراف بمكانة الاكراد كاقلية قومية ، وحرمانهم من حقوقهم اللغوية والثقافية ، وعانوا من التمييزالممنهج سياسيا واقتصاديا واجتماعيا  ، وفرض الاحكام العرفية والرقابة العسكرية لمدد طويلة على المناطق التي يعيشون فيها  .. ويطلق على الاكراد في الوثائق الرسمية "أتراك الجبل".هناك مقولة شهيرة  لكمال مؤسس الجمهورية تقول : " أولئك الناس غير المتحضرين محكوم عليهم ان يداسوا بأقدام الامم المتحضرة "  ، كما اعرب اينونو  Enonu خليفة كمال وبشكل علني " القومية هي العامل الوحيد الذي يشكل تراصنا وتماسكنا ، .فبغض النظر عما يحدث، مسؤوليتنا تتمثل في العمل ، ومهما كلف الثمن ، على القيام باستيعاب  وصهر  Turkishization  لكل من هم  غير اتراك يعيشون على ارضنا ، وسنعمل على تدمير كل من يعادي الاتراك او العقيدة التركية ". وفي عام 1930 ، اعلن عصمت  Ismet رئيس الوزراء التركي على الملأ " في هذا البلد ، يحق للأمة التركية فقط التمتع بالحقوق القومية والوطنية ، ولا يحق لغيرهم التمتع بمثل هذه الحقوق ..وفي  " قانون الاحزاب " الذي صدر عام 1964  في تركيا ، يحظر انشاء أحزاب سياسية على أساس عرقي ، ويمنع الاعتراف بوجود قوميات اولغات اخرى في تركيا .. وفي مطلع عام 1960 ، اعلن رئيس المجلس العسكري الحاكم في تركيا الجنرال غول سيلر  "  لا يوجد في بلادنا ما يسمى بالاكراد ، ومن يقول بأنه كردي ، سأحقره امام العامة " .  وهدد Tulkese زعيم الجناح اليميني الذي شارك في انقلاب 1960  بأن "الحل النهائي " للأكراد سيكون مماثلا  للمجزرة الأرمينية عام 1915 " ، وقال " اذا كان الاكراد يحلمون في قامة دولة خاصة بهم ، فان مصيرهم سيكون الاختفاء عن الكوكب الارضي  . لقد قامت تركيا  بالتضحيات والدماء الزكية والعمل الدؤوب للاتراك  ، وان الامة التركية قادرة على التعامل مع الطامعين بدولة الاتراك . ففي عام 1915 تم تطهير الارمن من على الاراضي التركية  وتبعهم تطهير كل اليونانيين عام 1922"  .  وفي عام 1984 بدأت قوات حزب العمال الكردي بعملياتها العسكرية  وبحرب عصابات مما كبد الجانب التركي خسائر فادحة في الارواح والممتلكات ، بحيث عادت المشكلة الكردية مشكلة سياسية كبيرة  تهدد وبشكل خطير امن تركيا ووحدة اراضيها ..  وبعد الدخول في تسعينات القرن العشرين ، بدأت الحكومة التركية تعدل تدريجيا من سياساتها تجاه الاكراد ، وعلى وجه الخصوص  بعد تسلم حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان للحكم ، حيث خفف القيود على الهوية القومية الكردية بما فيها اللغوية والثقافية . خاصة بعد ان قدم رئيس الوزراء اوروغان في نوفمبر عام 2011 الاعتذار التاريخي للمذبحة التي قام بها الجيش الحكومي ضد الاكراد في ثلاثينات القرن العشرين ، فحصل تحسن نوعي على المكانة السياسية للأكراد ، وفي حزيران 2014 تم تأسيس "  الحزب الديمقراطي الكردستاني "  وهو اول حزب سياسي يحمل كلمة كردستان ، وتم الاعتراف به رسميا من قبل السلطات التركية . وفي عام 2015 ،  عاد التنافر من جديد  بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردي ، وفي نوفمبر 2016 ، اعتقلت السلطات التركية دميرتاش الرئيس المشترك للحزب الشعبي الديمقراطي الكردي ويوكستيداني وغيرهما من القادة  الكبار للاحزاب السياسية الكردية  وايداعهم السجن . مما اوقف  " عملية الحل الديمقراطي " ..

المسألة الكردية في العراق . بالمقارنة يمكن القول بأن مكانة الاكراد في العراق هي الأعلى من بين الدول الاربع ، حيث معترف بهويتهم القومية ،  واللغة الكردية من اللغات الرسمية في العراق ويسمح استخدامها في مجال التعليم والنشر وغيرها . الا انه في عشرينات القرن الماضي وبعد قيام الجمهورية العراقية ، تلاحقت التناقضات وتفاقمت  بين الاكراد والحكومة المركزية  مما ادى  الى وقوع العديد من الحروب الداخلية الواسعة ، وبعد ثورة حزيران 1958 ، اعلنت حكومة قاسم بأن العلاقة بين العرب والاكراد هي " علاقات تشاركية " ، واعترفت بشرعية الحزب الديمقراطي وغيره من الاحزاب السياسية الكردية .  ولكن لم يدم هذا المشهد الجميل طويلا ، فقد نشبت الحرب الداخلية الاولى (1961 - 1970) ، وفي 11/03/1970 تم التوقيع على اتفاقية بين الحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردي ، وافقت الحكومة بموجبها على منح الأكراد حكما ذاتيا موسعا ، واقامة منطقة ادارية خاصة في منطقة الأكراد ، وتعديل الدستور ليقر بأن العراق يتشكل من قوميتين اساسيتين ، العربية والكردية ، وعلى الرسميين العاملين في المنطقة الكردية استخدام اللغة الكردية ، وان اللغة العربية والكردية  اللغتان الرسميتان في  منطقة الحكم الذاتي الكردية ، والعمل على تنمية وتطوير منطقة الاكراد اقتصاديا وتربويا وثقافيا .. وفي  لوائح الدستور العراقي المؤقت والذي صدر في تموز 1970  ، حدد بأن جمهورية العراق مشكلة وبشكل مشترك من القومية العربية والقومية الكردية  ..  وعلى اثر هزيمة الاكراد في الحرب الأهلية الثانية التي نشبت  1974 – 1975 ، اضطر قادة الأكراد  الهروب الى ايران وغيرها .. ووفق اتفاقية الجزائر التي وقعت بين العراق وايران في 06/03/1975 ،  اوقفت الحكومة الايرانية دعمها للحزب الديمقراطي الكردي . ومن ذاك الوقت بدأت الحكومة العراقية تنفيذ سياسة التعريب على نطاق واسع ، ونقلت اعداد كبيرة من العرب الى المناطق الشمالية . فمن عام 1978 و 1979  تم ازالة ما يقارب 600 قرية كردية ،  وتم تهجير ما يقارب  200.000 كردي . وخلال فترة الحرب العراقية الايرانية في ثمانينات القرن الماضي ، وقف الأكراد علنا الى جانب ايران في القتال ضد الحكومة العراقية  مما دفع سلطات صدام للانتقام القاسي الى حد استخدام  الحكومة الأسلحة الكيميائية ضد الأكراد. وابان حرب الخليج عام 1991 ، اندلعت الانتفاضة الكردية ، وتحت حماية القوات الاميركية بعد الحرب ، اقيم حكما ذاتيا في شمال العراق ليصبح " دولة داخل دولة " .. في عام 2003 تم اسقاط سلطة صدام ، واعترف الدستور العراقي الجديد رسميا بمكانة المنطقة الكردية  كمنطقة اتحادية  ذاتية الحكم . ولأول مرة يتولى كردي رئاسة الجمهورية على مر التاريخ . واصبحت المنطقة الكردية حاليا " شبه دولة " ، وعلى بعد خطوة من تحقيق احلام الاكراد في دولة مستقلة . ان مسار منطقة الاكراد في العراق اصبحت معيار ووجهة تطور المشكلة الكردية برمتها ..  على الرغم من تكرار الاكراد لتهديدهم في الاستقلال واقامة الدولة ، الا انهم يتباطئون في الاقدام على هذه الخطوة ، لاعتبارات عديدة منها صعوبة الاكتفاء الاقتصادي  ، وهش قوتهم العسكرية ، وعدم وجود دعم دولي قوي . وعلى الرغم مما وفرته نهضة وصعود " الدولة الاسلامية "  من فرصة تاريخية لمنطقة الحكم الذاتي الكردي في العراق ، الا أنها تشكل تهديدا امنيا خطيرا على منطقة الحكم الذاتي  مما  يكشف تماما  ضعف المنطقة الكردية  ..  

المسألة الكردية في سوريا : الاكراد في سوريا هم اكبر الاقليات القومية فيها ، ويأتون بعد العرب من حيث تعداد السكان  ، كما انهم العدد الأقل مقارنة بتعداد الأكراد في الدول الاربعة ، وقل ما يلفتون اهتمام العالم الخارجي .. الحكومة السورية وعلى مدار الفترات الطويلة الماضية لا تعترف بوجود الأكراد  كقومية ، الا انهم لم  يتعرضوا  للتمييز المطقع بشكل عام ، ولم يكن هناك تقييد شديد على استخدام اللغة الكردية في الحياة اليومية ، وكون الصراعات العرقية غير بارزة ، فان تطلعات القومية الكردية تتمثل المطالبة في الاعتراف بهم كأقلية قومية وبالحقوق المدنية العامة  ، وان مشكلة عديمي الجنسية من الاكراد هو التناقض الاساسي القائم .. فبعد انتهاء الاحتلال الفرنسي عام 1946 ومع  صعود القومية العربية ، بدأ مصير الأكراد في سوريا يتفاقم .. ان الافكار الاساسية  التي تحكم حزب البعث العربي الاشتراكي هي " الوحدة ، والحرية ، والاشتراكية " ، ويؤكد على الوحدة الوطنية العربية ، ويرى ان على كل الامم ، والقبائل ، والاديان ، والجمعيات وكذلك الفصائل الاقليمية والطبقات الاجتماعية الاندماج في بوتقة  قومية واحدة ( القومية العربية ) . في الدستور الاول لعام  1950 حدد بأن سوريا جمهورية عربية ، واكد على خاصيتها العربية على انها جزء من القومية العربية ، وان جميع السوريين هم عرب ولا يوجد فيها اعراق اخرى .. فوفق هذا النظام الفكري يعني ان الحكومة تقوم بتنفيذ سياسة التعريب بشكل واسع  ، وعلى الأكراد المبادرة بالاندماج في القومية العربية ، وان لا يركزون على هويتهم وطابعهم القومي . ولذلك اتخذت حكومة البعث سلسلة من السياسات المتطرفة لاستيعاب  ( تعريب ) الأكراد اهمها : توزيع الاكراد ، والعمل على نقل الاكراد من اماكن اقامتهم الى المناطق العربية في الوقت الذي تنقل فيه العرب الى المناطق الكردية ؛ النظر الى بعض الأكراد على انهم " اجانب "  لا يمنحوا حقوق المواطنة ، ولا يسمح لهم الاحتفال بالاعياد الكردية بشكل علني ، وحظر ارتدائهم للزي التقليدي الكردي ،والحد من استخدام اللغة الكردية ، وحظر نشر الصحف والكتب باللغة الكردية ، وعدم السماح  في اقامة مدارس كردية خاصة ، ووجوب تسمية الاطفال حديثي الولادة باسماء عربية ، وتعريب اسماء القرى والبلدات الكردية .. ففي أيار 1977 ، اصدرت الحكومة السورية امرا يحمل رقم  15801 يقضي بتعريب اسماء جميع  قرى وبلدات  منطقة فولين التابعة لمحافظة حلب  ، لتأخذ  " االطابع  العربي " . وعلى هذه الخلفية بدأ النضال القومي يظهر في سوريا ، وكان الهدف الاولي لهذا النضال السعي لتحقيق الحقوق اللغوية والثقافية ، والتنمية الاقتصادية ، والاصلاح الزراعي ودفع الديمقراطية السياسية في سوريا .. الا ان تلك الانشطة  كانت تقام سرا بموجات هادئة . وفي ثمانينات القرن العشرين بدأ الاكراد يشكلون منظماتهم السياسية والثقافية والقيام بأنشطة وفعاليات سرية . ومن حين لآخر تقوم بتنظيم المظاهرات الاحتجاجية والاستنكارية ، ولم تخض اي نضال مسلح .. ومع الدخول في الثمانينات والتسعينات ، خاصة بعد حرب الخليج ، بدأ وعي اكراد سوريا  تجاه بحقوقهم الوطنية يتعاظم بدعم وتشجيع من منطقة الحكم الذاتي في العراق المجاورة .. فتم تشكيل العديد من المنظمات السياسية ، ويذكر ان المنظمات السياسية التي تعمل سرا في سوريا فاقت الـ 15 منظمة ،  أحجامها صغيرة وعدد اعضائها قلة وبما لا يزيد 50 عضوا ، بينما الكبيرة منها  يصل الى عدة اّلاف عضو ، وتعتمد من حيث الاساس على بعض القادة المعروفين ، ومن اهم اهدافها المطالبة الاعتراف بالحقوق الوطنية للأكراد وتحقيق حكم ذاتي لهم ، وتؤكد على انتهاجها للاساليب السلمية لتحقيق اهدافها  ، ولم يسبق لها وان نادت علنا بالانفصال او الاستقلال عن سوريا .. بعد حرب العراق 2003 ،  عمل  الاكراد في سوريا على توسيع حركة الحقوق الوطنية ، وكثفوا من مظاهراتهم واستنكاراتهم ، وفي عام 2004 وقعت حادثة الشغب في كشمير والذي راح ضحيتها 65 قتيلا و 160 جريحا ومئات من المعتقلين .  وفي 25/04/2004 ، عقد احدى المنظمات  الكردية المنفية في الخارج مؤتمرا لها في المانيا ، واعلنت تشكيل  "حكومة غرب كردستان في المنفى " ، وفي عام 2006 تم تشكيل برلمان الاكراد السوريين في المنفى ( ويسمى المجلس الوطني الكردستاني السوري  Syrian Kurdistan National Assembly, KNAS   )  ويهدف الى دفع سوريا نحو تحقيق الديمقراطية ، وضمان الحقوق القومية للأكراد  وللاقليات القومية الاخرى ، واقامة نظام فيدرالي في سوريا وتحقيق الاستقلال الذاتي للاكراد .  ان اندلاع " الربيع العربي " عام 2011 والحرب الاهلية السورية التي  تبعته ، قدم  فرصة تاريخية  لكفاح أكراد سوريا  للحصول على حقوقهم الوطنية وحكم ذاتي .. فلم يتم الاعتراف بهوية الاكراد كأقلية قومية فحسب ، بل واسسوا  المنظمات الخاصة بهم ، وقواتهم المسلحة ومؤسسات الحكم الذاتي  ، وفي الواقع حصلوا على مكانة الحكم الذاتي .. لقد اتخذ الاكراد موقف المحايد من الصراع بين الحكومة والمعارضة ، وهذا ما وفر لهم فضاء واسعا من المناورة .. ومن اجل استمالتهم او ابقائهم على الحياد ، قدمت الحكومة السورية لهم درجة معينة من التطور الحر ..  بعد صعود "الدولة الاسلامية " ،  بدأت امريكا والغرب ينظرون للقوات العسكرية الكردية على انها قوة موثوق بها لضرب " الدولة الاسلامية "،  فبادروا بتقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لهم ، مما نهض بالقوة  العسكرية الكردية  وطورها .. ان صعود الأكراد عاد من الاحداث البارزة الأكثر بوزا واهتماما في الحرب الأهلية السورية.

فعلى الرغم من التحول الكبير الذي طرأ على مكانة الاكراد في سوريا ، الا ان موقعهم ومكانتهم في الهيكلية السياسية  الجديدة  لا يزال  من العناصر غير الثابتة  .. وان نظام الحكم الذاتي الفيدرالي الذ اعلن عنه الاكراد لاقى المعارضة الشديدة من قبل الحكومة السورية والعالم الخارجي . تثابر الحكومة السورية على سياسة " اي مجموعة تحاول النيل من وحدة الاراضي السورية  تعتبر منظمة ارهابية ، وان  اقامة منطقة  الحكم الذاتي االفيدرالي الكردي هو  تصرف غير قانوني "، كما واعلن وزير الخارجية التركي Chavusoglu وبشكل علني ادانته لتصرف الاكراد في انشاء منطقة اتحادية ، كما واعرب الرئيس التركي اردوغان وبوضوح ايضا انه لن يسمح وللأبد اقامة دولة كردية في سوريا ، كما وادان الادارة الاميركية لدعمها القوات الكردية .. ففي اّب 2016  ، حركت الحكومة التركية وحدادتها العسكرية الى سوريا بهدف كبح  قوى الاكراد .. وفي هذا الصدد،  أعرب صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا  (PYD)  Syrian Kurdish Democratic Union Party (PYD)  قائلا  ان  " اقامة الاتحاد "  ليس الا  " وسيلة للحكم الذاتي " ولا يعني ابدا الانسلاخ او الانفصال عن سوريا  ، وقال " لم يعد هناك قدرة  لسوريا في العودة والسير ثانية على  الطريق القديم  "  ، ولن نوافق ثانية على  " نموذج الحكومة المركزية " ، وشار  الى ان الاكراد  لم يقوموا في الاستعداد الجيد للحربين العالميتين السابقتين ، ونحن الأن نشهد الحرب العالمية الثالثة على الصعيد السياسي في الشرق الاوسط ، والاكراد قد استعدوا جيدا لها  ولديهم حكومة خاصة بهم وقوات مسلحة ايضا .. فبالنسبة للاكراد تعتبر هذه الحرب اّخر الحروب ، حرب تقرير المصير فاما البقاء  او الزوال ، فاما أن يصبحوا  المنتصرين في الشرق الاوسط او المهزومين "  .. فعلى الرغم من التقدم الهائل الذي تحقق في السنوات الاخيرة ، الا انه جاء نتاج الحرب الأهلية في سوريا ، ولا زال طريق الغد غير واضح ..  كثير من المسائل  التي تؤرق الاكراد و تبعث فيهم القلق منها موقف الحكومة المركزية السورية بعد الاستقرار ؛  امكانية تحريك تركيا لقواتها بشكل سافر لضرب الاكراد في سوريا . اقدام ترامب على بيع الاكراد مقابل كسب التعاطف التركي ، لذلك كله يعيش الاكراد  بين " الخوف والأمل  "  معا  ..

المسألة الكردية في  ايران . الأكراد هم ثالث اكبر قومية في ايران بعد الايرانيين والأذربيجان .. تاريخيا ، ظلت حياتهم المعيشية ميسورة بشكل عام،ولم يتعرضوا الى اي منحملات الاضطهاد والانصهار الواسعة والممنهجة . فنظرا لتخلف التنمية الاجتماعية الكردية ، ومحافظة ايران على التقاليد التاريخية المتمثلة في بلد موحد متعدد الأعراق، فلم يكن هناك مطالب ورغبات بارزة للاكراد  في لاستقلال او الحكم الذاتي  .. ففي 15/08/1945 ، تم تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في ايران (. Kurdish Democratic Party PDKI) وبدأ يطالب باستقلال ذاتي ، في الواقع، الحزب الديمقراطي الكردي هو أول الأحزاب القومية الكردية الحديثة ، وان تأسيسه  يشكل  صفحة جديدة هامة في تاريخ الأمة الكردية  برمتها ..عقب الحرب العالمية الثانية ، احتل السوفيات المنطقة الكردية في ايران ،  وفي 15/12/1945  شكل الأكراد ،  بدعم من السوفيات ، حكومة شعبية في مهاباد ، وفي 22/01/1946 أعلنوا اقامة جمهورية مهاباد .. وسرعان ما انسحب السوفيات من ايران تحت الضغوط الغربية ، وفي 15/12/1946 اجتاح الجيش الايراني جمهورية مهاباد وتم استيعادها .. وفي ثمانينات وتسعينات القرن العشرين  تعرض الكثير من قادة االحزب الديمقراطي الكردي للاغتيال في منفاهم .. وباختصار نقول ، بأن المشكلة الكردية في ايران ظلت على الدوام  فاترة  (لا باردة ولا ساخنة ) ، ولم تشكل اي تهديد كبير على الحكومة المركزية ..

رابعا : الالّفاق المستقبلية للمشكلة الكردية :

بعد " اندلاع   الربيع العربي " عام 2011  ، دخلت منطقة الشرق الاوسط في دوامة من الاضرابات  الشاملة  وتحطم  النظام الإقليمي التقليدي والهيكلية السياسية القائمة . بعد " الحرب الاولى "  تعرض النظام الاقليمي للشرق الاوسط الى ضربات غير مسبوقة ، وبدأت تبرز وبشكل واضح التناقضات الثلاث الكبرى بين الدين وكل من العلمانية والوطنية والطائفة.. وقد تعرضت العديد من الدول ذات الخلفية  السياسية  الخصبة الى هزات عنيفة ،  وعادت  العراق ، وسوريا ، واليمن ، وليبيا وغيرها تواجه خطر التفتت والانقسم . ان الوضع العربي المضطرب واعادة هيكلة النظام الاقليمي  خلق للاكراد بيئة مؤاتية جدا في السعي الى توسيع حقوقها وتحقيق الاستقلال واقامة الدولة .  في الحقيقة تحول " الربيع العربي " الى " ربيع الاكراد " واشار رئيس المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية ريتشارد هاس  Richard Haas الى ان "استقلال الاكراد عاد حقيقة واقعية، ويتعين على جميع الأطراف أن تقبل ذلك ." على الرغم من ان حلم الاكراد في تحقيق الاستقلال واقامة الدولة ظل يراوغهم منذ مائة سنة  اصبح يقترب يوما بعد يوم ، الا ان هناك العديد من العناصر والعوامل غير الثابتة . ونرى بشكل عام ، ان الخطوة العملية لتحقيق تطلعات اكراد العراق في الاستقلال واقامة الدولة اصبحت مسألة وقت لا اكثر ،  بالمقارنة مع الأكراد العراقيين، فان قوة الأكراد السوريين ضعيفة ، والبيئة التي يعيشونها سيئة للغاية . واذا  نظرنا الى كردستان من حيث نطاقها الجغرافي ، فان اقامة  " دولة كردستان الكبرى " لن يكون واقعيا على الاطلاق ، ويخضع ذلك لأربعة عوامل رئيسية ،  العامل الاول : وجود الاكراد في اربع دول مختلفة  لا يمكن تغيير الحقائق السياسية والجغرافية القائمة في المستقبل المنظور  ، العامل الثاني :  ليس من السهل على الدول التي يعيش فيها الاكراد الموافقة على مثل هذه المطالب في الاستقلال واقامة الدولة ، وخاصة تركيا ..  والعامل الثالث :  وجود (قيود) حدودية كبيرة للحركة الوطنية نفسها ، وفصائلها متناثرة ، والنزاعات بينها  لا تتوقف ،وخاصة بين اكراد ايران واكراد العراق ، والتناحر الداخلي بين اكراد العراق انفسهم لم يتوقف منذ فترة طويلة ، اضافة الا ان اقامة دولة كردستان ليست هدفا للجميع . اما العامل الرابع ، عدم دعم الدول الغربية الكبرى اقامة دولة موحدة ومستقلة للاكراد ..  فعلى الرغم  من ان الاكراد يحظون بتعاطف غربي  واسع ، ويلقون الدعم والتأييد من بعض المنظمات والسياسين  ، الا ان الغرب ، ولاعتبارات موضوعية  ، لا يرغب  بتغيير الوضع السياسي القائم في الشرق الاوسط ، لذا يقفون مواقف سلبية من اقامة دولة مستقلة للاكراد . فالغرب  وامريكا يتعاطفون ظاهريا مع الاكراد ، ويقدمون بعض المساعدات لهم في ظل تفشي "الدولة الإسلامية"  ، ولكن في الحقيقة يعملون على استخدام القوات الكردية لخدمة مصالهم الذاتية ..  ومع كل ذلك  ، ان  الوجود الحالي للأكراد كقوة اقليمية هامة اصبح واقعا لا يقاوم ،  ولا يمكن ابدا  الاستهانة بقوة  تأثيرهم على اعادة صياغة النظام الاقليمي وعلى مستقبل استقرار  الاوضاع في الشرق الاوسط ..

الباب الثامن

الاتجاهات الناشئة لاستراتيجية الشرق الاوسط ذات الخصائص الصينية

تمهيد  :

 قام الرئيس الصيني شي جين بينغ في الفترة مابين 19-23 من يناير 2016  بزيارة  ثلاث دول شرق اوسطية ، مصر والسعودية وايران ، وخلال تلك الايام الخمسة اجرى محادثات مع قادة الدول الثلاث وقادة المنظمات الاقليمية ، وشارك في اكثر من 40 فعالية ، ووقع على اكثر من 52 وثيقة تعاونية ، وهي الزيارة الاولى من نوعها  لزعيم صيني يقوم بزيارة خاصة وشاملة للدول المحورية في منطقة الشرق الاوسط ، وتعتبر حدثا كبيرا وهاما في تاريخ علاقات الصين بالشرق الاوسط ، وحدثا هاما في الدبلوماسية الصينية ، وتتمتع بأهمية تاريخية واستراتيجية .. فمنذ المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي (2012) صال الرئيس شي جين بينغ وجال القارات الخمس ، وكانت رحلته للشرق الاوسط اخر محطاته العالمية ، لذا اصبحت اّخر رقعة يستكمل فيها رسم الخارطة الاستراتيجية للدولة الكبرى ذات الخصائص الصينية .. حيث غدت العناصر الجوهرية الهامة بما فيها مكانة الشرق الاوسط في الاستراتيجية الكونية الصينية ، وتحديد الصين لطبيعة مشاكل المنطقة  ، ومواقفها من الدول والمسائل الهامة فيها تظهر بوضوح ، وعادت الاستراتيجية الشرق اوسطية ذات الخصائص الصينية صورة حية ناطقة ..

الجزء الاول :

ان منطقة الشرق الاوسط لم تكن على مر التاريخ محورا من محاور استراتيجية الصين الخارجية ، وان الاتصالات والتبادلات بين الصين ومنطقة الشرق الاوسط بدأت وبشكل متقطع في عهد اسرة خان الغربية .. وكون منطقة الشرق الأوسط ملتقى طريقي الحرير البري والبحري ، كانت في فترات معينة تشكل ممرا للصين إلى أوروبا ، ولكنها كانت تشكل عقبة امامها في احيان اكثر .. كانت التبادلات والاتصال الاكثر عمقا وكثافة في فترة التوسع الاسلامي وغزوات المغول للغرب على الرغم من انها لم تكن خيارا  مشتركا للطرفين .. ومن القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر، أي في عهد الإمبراطورية العثمانية وسلالة الصفوية، تعرضت تلك التبادلات لعقبات واضطرابات كبيرة ، حيث قل التجار والحجيج الذين يغامرون الدخول لهذه المنطقة .. وفي مطلع القرن العشرين ،ابان الاستعمار البريطاني ، استعادت منطقة الشرق الاوسط ممراتها نحو الصين واّسيا الوسطى واسيا الجنوبية .. وفي الفترة ما قبل عام 1949 ،  ونظرا لما كانت تعاني منه الصين من صعوبات وتحديات داخلية وخارجية ، لم  تعر اي اهتمام لمنطقة الشرق الاوسط ،  بحيث "اصبح الدين الأسلامي  الرابط الوحيد بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط في تلك الفترة"

وخلال الحرب الباردة، وخاصة بعد مؤتمر باندونغ عام 1955 ، تكثفت وتوسعت التبادلات بين الطرفين بشكل ملحوظ ، حيث تجسدت المصالح الصينية بشكل اساسي في المجال السياسي ، فبادرت في دعم حركات التحرر الوطني ضد الأمبريالية والاستعمار ، ومن ثم شجعت ودعمت حركة عدم الانحياز في مناهضتها لامريكا والاتحاد السوفياتي  . الصين  شاركت بكل ايجابية ونشاط في الشأن العربي ، غير أن الدول العربية التي تعيش وسط الحروب ، كانت بحاجة الى الدعم العسكري ، والصين لم يكن في مقدورها اّنذاك  تقديم أسلحة تُغير موازين القوى في المنطقة ، فكانت المساعدات الصينية مقتصرة على تقديم  "التجربة النظرية والعملية للحرب الشعبية". لذا كان التأثير الصيني في الشرق الأوسط محدودا طوال فترة  الحرب الباردة . أما بعد انتهاج الصين لسياسة الإصلاح والانفتاح عام 1978، تحولت المصالح الصينية في تلك المنطقة  لتشمل المجال الاقتصادي. فأصبح الشرق الأوسط سوقا هاما للصادرت الصينية. وبات رابع أكبر شريك تجاري للصين. وكانت الصين تتمتع بفائض تجاري كبير بما ساعدها على سد الثغرة الخطيرة في النقد الأجنبي آنذاك. ومن عام 1983 إلى عام 1988 بلغ اجمالي الفائض التجاري بين الصين والشرق الأوسط 12 مليار دولار، أي بمعدل ملياري دولار كل عام. وفي فترة ما بين عام 1982 وعام 1991، احتل  الشرق الأوسط  ما نسبته  70%  من اجمالي المبيعات العسكرية الصينية للخارج ، لتصبح الصين  خامس أكبر دولة موردة للسلاح في العالم ، وتستحوذ على 10 مليار دولار من العملة الصعبة ..

بدأت تزداد أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للمصالح الاقتصادية الصينية بعد ان أصبحت الصين دولة مستوردة خالصة للنفط عام 1993. حيث وصل حجم  وارداتها النفطية من الشرق الاوسط عام 1994 ما يقارب  40% من اجمالي استيرادها النفطي ، وحافظت  واستقرت فيما بعد  على نسبة  50%  ، فالشرق الاوسط يرتبط وبشكل مباشر بأمن الطاقة الصينية. وتحت تأثير الزخم التجاري في مجال الطاقة ، انطلق التعاون الاقتصادي الشامل  بين الصين ودول الشرق الاوسط ، في الوقت الذي حافظت فيه الصين على مبادئها التقليدية المتمثلة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم  زج نفسها في الصراعات القائمة في المنطقة . وعلى الرغم من دخول الصين المسرح الاقتصادي للشرق الأوسط ، الا انها لا زالت على هامش الحلبة السياسية والامنية . لذا يمكن القول بأن السياسة الاقتصادية النشطة والسياسة السياسية والأمنية المحافظة شكلتا السمة الرئيسية للاستراتجية الصينية الشرق اوسطية طوال العقدين الماضيين  ، الأمر الذي جعل الصين الدولة الكبيرة الوحيدة التي لم ترتكب خطأ كبيرا في منطقة الشرق الاوسط.. الاً ان  تقدم القوتان معا خلال السنوات الاخيرة  دفعتا الصين إلى المسرح السياسي في الشرق الاوسط . الاولى : التدويل التدريجي لسياسة الشرق الاوسط ، فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومشكلة "داعش" والأزمة السورية وغيرها كلها احداث ذات تأثير عالمي ، ولا بد للصين من تحمل مسؤولياتها  كدولة عالمية كبرى ؛  والثانية :  تدفق التجارة الصينية واستثماراتها ومواطينها نحو الشرق الاوسط  ، وهذا ما يربط السياسة الشرق أوسطية بالصين ارتباطا وثيقا. ولذا نقول بأن الصين باتت تمتلك في اّن واحد ولأول مرة في التاريخ ، مصالح سياسية واقتصادية وامنية هامة في منطقة الشرق الاوسط ، مما يحتم على الصين توضيح مواقفها وتصرفاتها في بعض القضايا. وبذلك يصبح الشرق الاوسط ولأول مرة ركنا هاما من اركان استراتيجية الصين العالمية، فالصين في امس الحاجة  إلى استراتيجية كاملةوواضحة ومستدامة في الشرق الأوسط.

الجزء الثاني  :

ظلت الصين ترى  وطوال فترة طويلة من الحرب الباردة  بأن التناقض الرئيسي في الشرق الأوسط هو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والتنافس بين القوى العظمى ، فظلت الاستراتيجية الصينية الشرق اوسطية تتمحور حول  هذين التناقضين . أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ  في خطابه  الذي القاه ي مقرّ جامعة الدول العربية  يوم  21 يناير 2016 الى "  ان جذور الاضطرابات في الشرق الأوسط  يعود سببها الى مشكلة  التنمية، وان الخلاص الوحيد في نهاية الامر يعتمد على التنمية ". ويمثل ذلك الفهم الصيني الجديد ازاء التناقضات  الرئيسية في الشرق الاوسط  في المرحلة الجديدة  ، كما يمثل   تلخيصا للتجربة الصينية في عملية البناء منذ قيام الصين الجديدة  ، فمن المؤكد ان يصبح المنطق الاساسي للتفكير الاستراتيجي الجديد للصين ازاء الشرق الاوسط  . منذ تنفيذ سياسة الاصلاح والانفتاح، أصبح " مركز واحد ونقطتين أساسيتين " المبدأ الصيني الاهم للحكم والإدارة والمتمثل في " اتخاذ البناء الاقتصادى كمركز، والتمسك بالإصلاح والانفتاح، و بالمبادئ الأساسية الأربعة "، وهو الضمانة الأساسية التي حققت فيها الصين كل انجزاتها ، أي اتخاذ التنمية الاقتصادية  كمركز على أساس الاستقرار الاجتماعي والسياسي،  وحل المشاكل  المعنية من خلال التنمية ..  على الرغم أن الصين لن تفرض تجاربها التاريخية على الآخرين، ولكن هذه التجارب القيمة سوف تتجسد  حتما في التفكير الاستراتيجي الصيني  تجاه  الشرق الأوسط.

إن المصالح الصينية في الشرق الأوسط  عادت  متعددة و شاملة ، الا ان الاقتصاد سيبقى يشكل نقطة الانطلاق الرائدة ،  فالاقتصاد لا يشكل  أهمٌ  المصالح الصينية  في الشرق الأوسط  فحسب ، بل الطريقة الرئيسية للصين للعب دورها النشط  في الشرق الأوسط ..  الشرق الأوسط الذي يعيش الاضطرابات لمدة طويلة، عادت التنمية الاقتصادية تشكل مطلبا ملحا لدوله ولعامة الدول الإقليمية.على الرغم من ان التنمية الاقتصادية قد لا تكون الهدف الاولي لكل دولة من دول الشرق الاوسط ، الان انها من الاهداف الاساسية لأي دولة من الدول . يظهر تاريخ الشرق الأوسط للعصر الحديث ،  امكانية إيجاد حلول مبتكرة لحل المشاكل السياسية  و الدينية والعرقية و الدبلوماسية  من خلال التنمية الاقتصادية ، وعلى العكس من ذلك ، في ظل الركود الاقتصادي لا يمكن ايجاد حلول لمثل تلك المشاكل  بل  تتفاقم وتزداد تدهورا . وفيما يتعلق بموضوع أولوية التنمية الاقتصادية، هناك تناغم وتفاهم بين الصين ودول الشرق الأوسط  فيما يتعلق بالتجارب التاريخية والاحتياجات العملية والتخطيط المستقبلي. هناك توافق وتداخل كبيرين في الاستراتيجية التنموية للصين ودول الشرق الأوسط ، يعتبر التعاون الاقتصادي الثنائي المسار الرئيسي للصين لدفع السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، أي حل المشاكل التي تواجهها الصين ودول الشرق الاوسط عن طريق التنمية المشتركة ، و تطوير العلاقات بين الصين والشرق الأوسط من خلال التعاون الاقتصادي . وقد أصبح " الاتخاذ من التنمية الاقتصادية كمركز ومن التعاون الاقتصادي كمقبض " الخاصية الرئيسية للاستراتيجية الصينية الشرق اوسطية ،  وهذا ما يميزها وبشكل ملحوظ عن الاستراتيجية الاميركية والأوروبية والروسية  الشرق اوسطية ..

خلال السنوات العشر الاولى من القرن الحادي والعشرين ، نمى كل من الاقتصاد الصيني ومثيله الشرق اوسطي بسرعة ملحوظة وبشكل متزامن ، الأمر الذي ادخل  العلاقات  الثنائية في شهر عسل لم  تشهده من قبل . فمنذ عام 2003 ولغاية 2014  ارتفعت أسعار البترول العالمية من  20 دولار الى ما يزيد عن 100 دولار ، وعلى أساس هذه الطفرة من ارتفاع ألاسعار ، نهض الشرق الأوسط بسرعة وأصبح أحد المراكز العالمية للتمويل والاستثمار والطيران والنقل البحري والثقافة والرياضة ، كما ازداد  وزنه في الاقتصاد العالمي بشكل ملحوظ . وفي الوقت نفسه ، كان الاقتصاد الصيني يعيش مرحلة تنموية قوية ، حيث قفز الناتج المحلي الإجمالي من1.2  تريليون دولار امريكي الى 10 تريليون دولار ،  لتصبح الصين أسرع دول العالم من حيث ازدياد طلبها وحاجتها للطاقة ، بينما اصبح الشرق الأوسط أسرع إقليم في العالم بالنسبة لازدياد احتياجاته للبنية التحتية، فارتفعت الجاذبية الاقتصادية المتبادلة بين الطرفين . خاصة بعد الأزمة المالية لعام 2008 ، حيث انخفض طلب الدول الغربية للطاقة، وأصبحت الصين والهند وغيرها من البلدان الآسيوية المستوردين الكبار لطاقة الشرق الأوسط، ما يشير الى ان محور الاستهلاك في سوق الطاقة الدولي  بات يميل إلى آسيا. وبعد "الربيع العربي" عام 2011 لم تكن  مصر والسعودية وإسرائيل وغيرها من دول المنطقة راضية عن أداء الولايات المتحدة ، وبدأت تبحث عن التنوعية في المجالين السياسي والامني  للتخلص من الاعتماد الكلي والوحيد على امريكا ، وبدأت على التوالي  تطرح استراتيجية "  التوجه نحو الشرق "  ، مما وسع فضاء تطوير العلاقات السياسية بين الصين والدول العربيىة بشكل غير مسبوق ..

ان الاختلاف بين الصين والدول الكبرى الاخرى فيما يتعلق بالمعونات وكما العلاقات الاقتصادية مع الشرق الاوسط هو ان الصين تدمج المعونات والاستثمار والتجارة مع بعضها البعض ، وتربط اعمال الحكومة بالموسسات التجارية بشكل وثيق ، مما يشكّل السياسة الاقتصادية ذات الخصائص الصينية المتميزة للشرق الأوسط.  بلغت قروض المساعدات الصينية لمنطقة الشرق الأوسط والاستثمارات التي تقودها الحكومة من عام  2001 ولغاية 2011  اكثر من  110 مليار دولار ، وهي  اكثر حجما وتأثيرا من المساعدات التنموية التي قدمتها امريكا واوروبا لدول المنطقة .  ولكن، شهر العسل سرعان ما انتهى لأن الصين والشرق الأوسط دخلا سويا في الوضع الطبيعي الجديد .. فاذا قلنا بأن العلاقات الاقتصادية الوثيقة التي سادت السنوات العشر الماضية  كانت تعتمد على الاستمرارية في  توسيع الحجم الاقتصادي لكلا الطرفين وسعيهما وراء الكمية ، فإن المحرك المستقبلى للعلاقات الاقتصادية الثنائية  سيعتمد على  تعديل الهيكلة الاقتصادية والجودة . بعد أن بدأت أسعار النفط بالانخفاض عام 2014 ،  اقترحت دول الشرق الأوسط استراتيجية "إعادة التصنيع" وسارعت  في تنفيذ استراتيجية التنوع الاقتصادي . ففي فبراير 2016 ،  اقترحت مصر "استراتيجية التنمية المستدامة لعام 2030" بينما اقترحت السعودية في ابريل 2016  "رؤية  2030" ، بينما اقترحت ايران  في فبرير 2014 " الاقتصاد المقاوم 24 ". إن إعادة التصنيع هو الجزء الاهم في المخططات والاستراتيجيات التنموية المذكور آنفا.  وفي الفترة ذاتها كانت الصين قد طرحت مبادرة "الحزام والطريق" في ظل "الوضع الطبيعي الجديد"  وبدأ التركيز على القدرة الانتاجية في التعاون مع البلدان النامية . مرة اخرى تلتقي وتتزامن الاستراتيجية الاقتصادية الصينية مع مثيلاتها الشرق اوسطية ، ويعتبرر التصنيع نقطة  الالتقاء بين الاستراتيجيتين .

وعند نقطة الالتقاء التاريخية الجديدة،  شكل التعاون في القدرة الانتاجية اهم المواضيع على جدول اعمال زيارة الرئيس شي جين بينغ لمنطقة الشرق الأوسط عام 2016 ، وعادت الجبهة الاساسية  للتعاون الاقتصادي بين الجانبين . خلال زيارته ، وقعت الصين 21 وثيقة تعاونية  مع مصر و14 مع السعودية و17 مع ايران. وغطت تلك الوثائق مجالات كثيرة من التعاون بما فيها التجارة والطاقة والمالية، والاتصالات، والطيران، وتغير المناخ. ومن أجل تعزيز عملية التصنيع في الشرق الأوسط، أعلن الرئيس شي خلال زيارته أن الصين ستنضم إلى الدول العربية في تنفيذ عملية ارساء القدرة الانتاجية، وستخصص قروضا بقمة 15 مليار دولار للتعاون مع دول المنطقة في مجال التصنيع ومشاريع البنية التحتية ؛ وستقدم قروضا تجارية بقيمة 10 مليار دولار  لدول الشرق الأوسط لدعم التعاون في مجال القدرة الانتاجية ؛ و10 مليار دولار كقروض تفضيلية مع تحسين عروضها ؛ وستنشيء الصين صناديق استثمارية مشتركة بقيمة 20 مليار دولار مع الإمارات وقطر  للاستثمار في مجال الطاقة التقليدية وبناء البنى التحتية والصناعات التحويلية الراقية وغيرها ، وبشكل عام تشير الوعود اّنفة  الذكر بأن حجم صندوق التعاون في مجال التصنيع بين الصين ودول الشرق الاوسط سيصل الى 55 مليار دولار .إضافة إلى ذلك، يمكن لبنوك البريك والبنك الآسيوي للاستثمار  في البنى التحتية وصندوق طريق الحرير أن تشارك في عملية التصنيع في دول الشرق الأوسط. وقعت الصين مذكرات تفاهم  بشأن بناء "الحزام والطريق" مع  مصر والسعودية وإيران  كل على انفراد ، وتبعها توقيع اتفاقيات مماثلة مع سبع دول هي  مصر والسعودية وايران وتركيا وقطر والكويت والاردن  ، وهناك 10 دول شرق اوسطية من الاعضاء المؤسسين للبنك الاسيوي للبنى التحتية ..

وبالتزامن مع تباطؤ سرعة التنمية الاقتصادية في الصين ، وتراجع  الوضع الاقتصادي للدول العربية تحت تأثير اسعار النفط ، دخل التعاون الاقتصادي بين الصين والدول العربية في مرحلة صعبة نسبيا. بلغ  حجم التبادل التجاري بين الصين ومنطقة الشرق الاوسط عام 2016  ما يقارب 228.86  مليار دولار وهو أقلّ بشكل كبير مقارنة مع ما كان عليه عام 2015 الذي وصل الى 333.59 مليار دولار ، حتى أقل مما كان عليه عام 2011 حيث تجاوز 266.99  مليار دولار ..  وبالمثل، بلغت الاستثمارات الصينية الاجنبية عام  2016  ما يعادل 175 مليار دولار من ضمنها 9.86 لمنطقة الشرق الاوسط  الذي يشكل 5% فقط من اجمالي الاستثمارات الخارجية  ومن ضمنها 6.37 مليار دولار لاسرائيل وحدها . لا تزال الصين تتمتع بالمزايا التقليدية في مجال المقاولة الهندسية وبلغت قيمة مشاريع المقاولة في اللدول الأجنية 76.46  مليار دولار  احتل منها الشرق الاوسط 20.01 مليار ، اي ما نسبته 26%  . يدل ذلك على ان التعاون الاقتصادي بين الصين والشرق الاوسط  في الوقت الراهن لازال امكانات كامنة فقط ، ويستند تحقيقه الى نجاح التحولات في الهيكلة الاقتصادية للطرفين وتأثره بالعوامل الأخرى بما في ذلك أسعار الطاقة والاستقرار السياسي والوضع الاقتصادي الدولي.

الجزء الثالث :

سياسيا،في الوقت الذي تثابر فيه الصين على التمسك بمبدأ عدم الانحياز وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ، ستعمل على مضاعفة مشاركتها فيسياسةالشرقالأوسط، واقامة علاقات دبلوماسيةمتوازنةمعجميعالأطراف . وان زيارة الرئيس شي جين بينغ لكل من مصر والسعودية وايران في ان واحد لهو خير دليل  وتجسيد للدبلوماسية الصينية المتوازنة .. تاريخيا ، شاركت القوى الكبرى في شؤون الشرق الأوسط متخذة من التحالف وتقسيم النفوذ كأساس ومن التدخل العسكري كأداة ، الأمر الذي ادى الى عواقب وخيمة  ومتاعب لا نهاية لها واّلت في نهاية المطاف الى الكاّبة  والفشل   .. فالاستراتيجيات الشرق اوسطية لكل من بريطانيا وفرنسا والسوفيت وامريكا  انتهجت مسارات مماثلة . عموما نقول بأن التدخل الأجنبي هو احد الاسباب الأساسية للمأساة التي يعاني منها الشرق الاوسط اليوم .. فالعبر ماثلة امامنا ، فلا يمكن أن تكرر الصين " مآسي الشرق الاوسط " للقوى الكبرى في القرن العشرين ، بل ينبغي عليها استكشاف  طريقا جديدا ذا خصائص صينية.. .ظلت الصين وعلى المدى البعيد تتخذ من التعايش السلمي ، والاستقلال والتمسك بزمام المبادرة كعمادين اساسيين للديبلوماسية الصينية .. المبادئ الخمسة للتعايش السلمي تتمثل فب الاحترام المتبادل للسيادة ووحدة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة والتعامل بالمثل ، والتعايش السلمي ؛ بينما السياسة الخارجية المستقلة المتمسكة بزمام المبادرة  تشمل " لاءات اربع وكمال واحد  " اي ، لا للتحالف ، لا للانعزال ، لا للمواجهة ، لا لاستهداف طرف ثالث ، والقيام بنشاطات ديبلوماسية بشكل كامل . وفي المستقبل المنظور سيظل ذلك يشكل المبدأ الاساسي لاستراتيجية الصين الشرق اوسطية  ، والفارق الاساسي بين الاستراتيجية الصينية واستراتيجيات القوى الكبرى الأخرى تجاه الشرق الاوسط  . 

الصين لا تثابر على التمسك  بمبدأ عدم الانحياز وعدم التدخل في الشؤون الداخلية فحسب ، بل تعارض ايضا سياسات القوى الكبرى الشرق اوسطية  في تصنيفها للمنطقة بين عدو وصديق  ، كما أنها تعارض تدخل بعض الدول الإقليمية الكبرى في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وفي المسألة السورية ، مارست الصين حق النقض في مجلس الأمن الدولي أربع مرات ، وكان الدافع الاساسي معارضة تدخل القوى الخارجية في الصراع الداخلي لدول الشرق الأوسط . إن نظام التحالف الذي تقوده امريكا هو ركن هام للهيكلية الامنية الحالية  في الشرق الأوسط ، فلا يمكن إنكار دور هذا النظام  في توفير بعض العناصر العامة في مجال الأمن . ولكن على المدى الطويل، على  القوات العسكرية الأجنبية  تحمل مسؤولياتها في الانسحاب من الشرق الأوسط ، وافساح المجال امام دول الشرق الأوسط لاقامة هيكلية متوازنة خاصة بها ، وبذلك يمكن تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة  ، في الواقع  ان اقدام القوى الإقليمية الكبرى والقوى الكبرى من خارج الاقليم  بتكثيف تدخلها في شؤون الشرق الأوسط  هو ما  يعقد الاوضاع اكثر في المنطقة .. وعلى الصعيد السياسي الاقليمي ، فقد شكل  الصراع الدائر بين المعسكر السعودي والمعسكر الايراني منذ عام 2011 التناقضات السياسية الرئيسية في الشرق الأوسط ، وتجدها حاضرة في كل الصراعات العسكرية والمنافسات السياسية في المنطقة  ، وهو احد الاسباب في  اشتداد الحروب واطالة أمدها.  كان يجب على الدول الكبرى الحلفاء لإيران والمملكة العربية السعودية خارج الاقليم أن تتحمل مسؤولياتها، وتحث كل من ايران والسعودية على ضبط النفس وتشجيعهما على تسوية الصراع من خلال الحوار، وهي  الطريقة الوحيدة التي يمكن وان تخفف حدة الازمة في  العراق واليمن وسوريا. الصين كدولة كبرى غير منحازة ، تحافظ على انتهاج سياسة متوازنة شاملة تجاه ايران والسعودية ومصر وإسرائيل  مؤهلة للعمل مع كل من ايران والسعودية ولعب دور جسر سياسي بينهما . ان الاستقبال الحار وكرم الضيافة التي  حظي بها الرئيس شي جين بينغ خلال زيارته  للسعودية وايران يعكس وبشكل واضح الموقف السياسي الصيني الموضوعي والعادل في الشرق الأوسط. فقد برهنت التجاربة التاريخية أن التدخل السياسي والعسكري من قبل القوى الكبرى يؤدي إلى نتائج سلبية ،  فالحرب  في كل من  العراق و ليبيا  ادخلت كل من البلدين في اتون حرب اهلية طويلة ، وان التجربة الديمقراطية حفزت على اشاعة الفوضى  . إن دول المنطقة هي المعنية بتحقيق توازن السلطات  في منطقة الشرق الأوسط ، وان طريق التحديث يعتمد على استكشاف شعوب المنطقة ،على الرغم من أن ذلك  الطريق قد يكون طويلا  وربما دمويا، االا انه السبيل الوحيد لحل قضايا  الشرق الأوسط. لقد أكد الرئيس شي خلال زيارته قائلا  " اننا لن نبحث عن وكيل في الشرق الأوسط ، بل ندفع بمحادثات السلام ؛ ولا نقوم بتحديد مناطق نفوذ، بل ندعو الجميع لنصبح أصدقاء في بناء الحزام والطريق، لن نسعى لملء" الفراغ "، بل ننسج شبكة شركاء تعاون قائمة على المنفعة المتبادلة و الكسب المشترك" ،  ويمكن أن نطلق عليها "سياسة اللاءات الثلاثة" في الاستراتيجية الصينية الشرق اوسطية، حيث تلخص وبشكل سليم وصحيح  المباديْ السياسية  في التعامل مع شؤون الشرق الأوسط. في السنوات الأخيرة، احتدم الصراع السياسي والاقتصادي والديني والدبلوماسي بين دول الشرق الأوسط ووالقوى الفاعلة غير الحكومية ، وكان على مختلف القوى الاخرى اختيار الانحياز الى جانب من جانبي الصراع ،  اضافة الى تورط  ودخول الدول الكبرى من خارج المنطقة في هذا الصراع ، وان تطور هذا الاتجاه  هو الاكثر قلقا ورعبا في الشرق الاوسط ..  وان ظهور الصين كقوة سلام في مثل هذا الوقت الحاسم يعد شيئا ثمينا وفي غاية الاهمية ..

الصين تتمسك بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي ، وتثابر على سياسة خارجية مستقلة ، وتلتزم بعدم التدخل وعدم الزج بنفسها  في الصراعات القائمة  بين دول الشرق الأوسط، وهذا  لا يعني ابدا  أن الصين لا تفصح عن مواقفها، ولا تشارك في شؤون الشرق الأوسط ، وغير ايجابية ولا نشطة ، ليس كذلك ابدا  بل على العكس ، لا بد للصين وأن  يكون لها مواقفها واساليبها وقوة تأثيرها الخاص بها تجاه جميع القضايا السياسية الهامة في الشرق الأوسط ،  بهذا الاسلوب فقط يمكن محافظة الصين على مصالحها في الشرق الأوسط ، وبذلك فقط يمكن تقديم طاقة قوية وايجابية لسلام الشرق الأوسط واستقراره.  ومنذ عام  2016 والصراع بين السنة  والشيعة يحتدم ، والصراع العنيف الفلسطيني الاسرائيلي يشتد ويتصاعد ، تلك الاوضاع الخطيرة تحتم على الصين المبادرة في اتخاذ سياسات نشطة و فعالة لمواجهتها .

أما بشأن علاقة الحكم والدين في دول الشرق الأوسط ، فان الصين لا تنحاز إلى أي جانب، بل تعارض أي تصدير او تدخل ديني أو أيديولوجي للدول ألاخرى، وتدعو الى الفصل بين الحكم والدين ( العلمانية ) في السياسة الدولية .. السياسة في الشرق الأوسط لا يمكن فصلها عن الدين، حيث تجد عناصر للصراع الديني في كل الاحداث والصراعات السياسية الدائرة الاّن في المنطقة . على الرغم أن معظم دول الشرق الأوسط (باستثناء إسرائيل) هي دول إسلامية، ولكن علاقات الترابط بين الدين والحكم  تجده يختلف من دولة لأخرى . فان الحكومات في كل من ايران والسودان وسلطنة عمان والسعودية وغيرها الكثير من الدول  التي تشكل على الاسس والمباديء الاسلامية .. وخلال المائة عام المنصرمة  والديانة الاسلامية تبحث عن مكانتها السياسة في البلد ذاته وفي السياسة الاقليمية وكما في السياسة الدولية .. في الاطار الوطني  ، فان العلاقة بين الدين والحكم يجب ان تكون خيارا سياسيا لشعب الدولة المعنية  . على المسرح الدولي  ، منذ ولادة الدول القومية ، بدأت الدولة تتمتع بهوية (  الانغلاق والاقتصار) استثناء الاخر . الصين  باعتبارها دولة علمانية، دائما ما تؤكد على استقلال السيادة الوطنية.  في منطقة الشرق الأوسط، منذ حركة النهضة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي، بدأ الدين يشارك  في سياسة الدول بشكل واسع، وغالبا ما يؤدي  الصراع السياسي  الى نزعة التطرف .. سواء  " الدولة الاسلامية" في الوقت الراهن ، ام " تنظيم القاعدة "  اواخر القرن العشرين ، كلاهما من نتاج تدخل  الدين في الصراع السياسي الدولي  .. ففي النضال السياسي الدولي  على وجه الخصوص ،  تتغلغل بعض الدول وتقوم بنشر  أفكارها الأيديولوجية والدينية في الدول الاخرى ، ودفع الدين الى ان يصبح اداة سياسية .. هذا ليس تهديدا للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط  فحسب ، بل يشكل خطرا مباشرا على امن الدول المعنية بما فيها الصين. 

وأما بشأن المسألة الفلسطينية الاسرائيلية ، فان الصين تتابع عن كثب تطور الاضاع ، وتقوم بتعديل (ضبط ) سياستها في الوقت المنسب ، وتبذل الجهود للمساهمة في تخفيف المحن والصعاب الماثلة امام المشكلة  الفلسطينية الإسرائيلية .. ظلت الصين ومنذ زمن بعيد تدعم وبنشاط قضية اتحرر الوطني الفلسطيني ، والصين هي من اوائل الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية .. وفي عام 2002 ،  دخلت اّلية التنسيق "  اللجنة الرباعية " والمشكلة من امريكا وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة  مرحلة العجز لا حول ولا قوة لها ، ولم يبق من منارة السلام الفلسطيني والإسرائيلي "حل الدولتين" الا  اسمها فقط .  وبعد فشل محادثات السلام الفلسطينية الاسرائيلية عام 2009، أصبح "حل الدولتين" هدفا بعيدا لا يمكن تحقيقه ..  على الصعيد الاسرائيلي ، وفي ظل تعليق مسألة المكانة النهائية لفلسطين ووضعها على الرف ،  تحافظ حكومة نتنياهو على سيطرتها الأمنية من خلال "إدارة الصراع". وعلى الصعيد الفلسطيني ، وفي ظل فقدان الامل في اقامة الدولة الفلسطينية من خلال المفاوضات ، بدأ الجانب الفلسطيني يعلق اّماله على تدويل القضية الفلسطين من جانبواحد ، واجبار اسرائيل على التراجع بالضغوط الدولية، وتحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين. وفي الوقت نفسه، يميل تعاطف ودعم المجتمع الدولي إلى  الجانب الفلسطيني ، بينما يتعرض الموقف الامريكي والاوروبي ،  خاصة الموقف الامريكي التقليدي المنحاز الى اسرئيل  الى ضغوط متزايدة من المجتمع الدولي . ففي فترة أوباما،  حدثت حالة من الفتور والتباعد في العلاقات الامريكية الاسرئيلية ، ومع نهاية عام 2016  امتنعت الادارة الاميركية ولاول مرة عن اتخاذ حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الدولي الذي يدين اقامة المستوطنات الإسرائيلية ، وقد اجاز  مجلس الامن  وتبنى القرار المذكور ..  وطالبت العديد برلمانات الدول الاوروبية  الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومن مقدمتها السويد، وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية على منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وبادرت فرنسا في عقد دورتين لمؤتمر السلام في الشرق الأوسط للضغط على إسرائيل. ظل دعم القضية الفلسطينية يمثل تقليدا دبلوماسيا صينيا ، وهو أيضا اتجاه الاخلاق والعدالة الدولية  . لذا ، يتوجب في المرحلة الجديدة القادمة للمسألة الفلسطينية الإسرائيلية ،على الصين لعب دور اكثر اهمية واكثر نشاطا من ذي قبل، وهي قادرة على ذلك .. أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ في الخطاب الذي القاه مقر جامعة الدول العربية الى : " أود أن أدعو المجتمع الدولي أن يتخذ إجراءات أقوى لتفعيل عملية السلام سياسيا ولدعم عملية إعادة الإعمار اقتصاديا، لكي يرى الشعب الفلسطيني أملا في أقرب وقت ممكن. تدعم الصين بشكل ثابت عملية السلام في الشرق الأوسط، وتدعم تأسيس دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة على اساس حدود 1967  وعاصمتها القدس الشرقية. اننا نتفهم نحن نتفهم  التطلعات الفلسطينية المشروعة في الاندماج للمجتمع الدولي كدولةمستقلة ،  وندعم إنشاء آلية جديدة لدفع السلام في الشرق الاوسط،  وكذلك ندعم جهود جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لتحقيق هذه الغاية ". وخلال هذا العام، تتقدم الديبولوماسية الصينية وفقا لما دعا اليه الرئيس شي. ففي ديسمبر عام 2016 ، صوتت الصين لصالح قرار مجلس الامن الدولي الذي يدين اسرائيل في بناء اللمستوطنات. ودعمت الجهود الفلسطينية في الانضمام إلى المنظمات المعنية للأمم المتحدة، وشاركت بكل ايجابية ونشاط في المؤتمر الدولي للسلام الذي استضافته فرنسا ، ولا زالت مصرة على أن "حل الدولتين" هو الحل الوحيد للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وقد لاقى الموقف الموضوعي والعادل للصين في موضوع المحادثات السلمية الاشادة والتقدير العاليين من لدن الدول العربية ، وفي 12 مايو/ايار 2016 ، وخلال الدورة السابعة للمؤتمر الوزاري لمنتدى التعاونالصيني العربي ، وقعت الصين و 21 دولة عربية عضو في جامعة الدول العربية ت على "إعلان الدوحة"  الداعم لموقف الصين من  قضية بحر الصين الجنوبي.

وفيما يتعلق بمسألة التحديث السياسي في الشرق الأوسط ،  فان الصين تشجع وتدعم عملية الإصلاح القابلة للسيطرة ومن الأعلى إلى الأسفل وبشكل تدريجي. فمنذ عام 2011  وامريكا وكما الدول الاوروبية تدعم وبنشاط ما يسمى  ب "الثورة الديمقراطية" للدول العربية ، مما ادى الى سلبيات كبيرة . ولا تزال دول الشرق الأوسط منقسمة الى فريقين بشأن قضية " الثورة " ، فقطر وتركيا وبعض البلدان الأخرى تدعم "الثورة"،بينما السعودية ومصر وبعض البلدان الأخرى تعارض "الثورة"، وتحول الموقف الامريكي والاوروبي من موقف الداعم "  للثورة " إلى المعارض لها . ان وقوع "الربيع العربي"  يشير الى التقوقع ومحدودية الطموح ،  وبدون الاصلاحات لن يكون هناك مخرجا ، وإن فشل "الربيع العربي" يشير إلى أن ثورة العنف وديمقراطية النمط الغربي لن يكون لها مخرجا في الشرق الاوسط ..  توضح عملية التحديث السياسي في الشرق الأوسط منذ أوائل التسعينات في القرن العشرين إلى أن أي نموذج اجنبي مستورد  لا يتأقلم وطبيعة الشرق الأوسط، سواء  أكان نمطا شرقيا او نمطا غربيا دون استثناء ، ولكل بلد في الشرق الأوسط معاناته ومشقاته الخاصة به ، فيجب على هذه الدول استكشاف الطرق الملائمة لظروفها الوطنية الخاصة من خلال الممارسة العملية  . قد أوضحت تجربة  30 عاما من الاصلاح والانفتاح الصينية أن إلاصلاح التدريجي لا  يحافظ  فقط على الاستقرار الاجتماعي بشكل عام ،  بل يستطيع معالجة  القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الملحة، فهو  طريق يستحق اقتباسه وتعلم الدول العربية منه . ان إنجازات الاصلاح والانفتاح في الصين وفشل الإصلاح بالعنف في الدول العربية  ، يدل كلاهما الايجابي والسلبي ، على ضرورة واهمية الإصلاح التدريجي . الصين  لا تتدخل  في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط، كما أنها تطالب الدول الكبرى الأخرى بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الصينية ، فقد اشار  تقرير المؤتمر الثامن عشر بوضوح إلى " معارضة تغيير الانظمة الشرعية  في بلدان أخرى " .. لا يوجد لدى اي دولة في العالم  وصفة للتحديث السياسي في الشرق الاوسط ، كما ولا يوجد أي دولة في الشرق الأوسط اكتشفت طريقا  ذو مغزى واسع ، سواء من حيث النظرية أو الوقت، فإن التجارب التاريخية تدلل فقط على الطرق غير السالكة وغير السليمة ، ولا  تدلل على الطرق السالكة والسليمة .. تتجسد مزايا الإصلاح التدريجي في تمسك الدولة المعنية بزمام المبادرة ، وتجنب  ارتكاب الأخطاء الكبيرة من خلال السير بخطوات صغيرة وتجارب مستمرة. وأشار الرئيس شي قائلا  " فيما يتعلق باستكشاف طريق التنمية، فان النسخ لا مخرج له ، والتقليد يؤدي دائما إلى التيهان، والممارسة  فقد هي التي تأتي بالمعرفة الحقيقية. ان طريق التنمية لاي دولة كانت  يتوقف على  خيار شعب هذا البلد وفقا لتراثه التاريخي وتقاليده الثقافية  و مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيه ". في الحقيقة، إن المبدأ الذي اعلن عنه الرئيس شي جين بينغ والذي يتخذ  "سياسة اللاءات الثلاثة" كجوهر له ،  يرث ويطور المبادئ التقليدية لاستراتيجية الصين الشرق اوسطية .. أشار شيهور الخبير الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط عند تلخيصه لسياسة الصين في الشرق الأوسط مبكرا عام 1979 إلى أن الصين "تختلف عن الدول الكبرى الأخرى، ولا تسعى الصين إلى الحصول على اراض وقواعد ومناطق نفوذ ومصالح اقتصادية ، بل تشجع الحكومات المعنية وشعوبها على معارضة الدول الكبرى  التي تقدم على فعل ذلك ، في الوقت نفسه،  فان الصين لا تتدخل ولا تسعى للاحلال محل هذه القوى الكبرى".

ظلت الدول الكبرى وعلى مدار فترات طويلة من الزمن  تشكل عوامل ضبط كبيرة للاستراتيجية الصينية الشرق اوسطية .. ولكن في  الوقت الراهن بدأت الاستراتيجية الصينية تتخلص تدريجيا من قيود العامل الامريكي .. امريكا  من أكبر العوامل الخارجية في الشرق الأوسط ، وتعتبر جزءا هاما من سياسة المنطقة ..  عادة ما تقوم امريكا واسرئيل بتقسيم الدول والقوى الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط إلى محورين ،  "محور المقاومة" ومحور "الدول العربية المعتدلة"، يتضمن "محور المقاومة" إيران وسوريا وحماس وحزب الله وتنظيم "القاعدة"، و"الدولة الإسلامية"، أما "الدول العربية المعتدلة" فتشمل السعودية ومصر والأردن وقطر وتركيا. ، فمن الواضح أن المحور الثاني هم من  اصدقاء امريكا ، بينما دول المحور الاول من الاعداء لها . ففي الوقت الذي الذي تكون فيه علاقة الصديق والعدو واضحة ، تكون المنطقة الوسطية ( الهامشية ) ضيقة جدا ، فقد تأثرت العلاقات الصينية الايرانية ببعض القيود الاميركية ، لأن الصين تأخذ بعين الاعتبار أهمية العلاقات الصينية الاميركية ..  ففي السنوات الأخيرة، شهد الشرق الأوسط تغيرات  كثيرة على الهيكلية السياسية ، فنرى ان السعودية ومصر وغيرهما من الحلفاء التقليديين حافظت على مسافة معينة في علاقاتها  مع امريكا ؛ بينما شهدت العلاقات بين  امريكا وايران،  العدو التقليدي لها ، بعض التحسن ،  فالصديق لم يبق ذاك الصديق (بنفس الحمية )، والعدو لم يبق ذاك العدو (بنفس العداوة ).  وعلى هذه الخلفية ، ضعفت عوامل التقييد الاميركية على سياسة الصين الشرق اوسطية . وتداخلت المصالح الصينية والمصالح الامريكية الهامة في الشرق الاوسط الى حد كبير ،  ونظريا يمكن القول انه لا يوجد  اي تضارب في المصالح الأساسية بين الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ولكن فيما يتعلق ببعض القضايا المحددة ، هناك اختلاف كبير في استراتيجياتهما ونمط اعمالهما نظرا لاختلاف الايديولوجيات ، والتجارب التاريخية ، اضافة الى العبء التاريخي الثقيل التي تحمله الولايات المتحدة في الشرق الاوسط . فعلى الرغم من ان منطقة الشرق الاوسط لن تكون منصة جديدة للتعاون الصيني الامريكي ، ولكنها يجب ان لا تصبح ساحة صراع  جديدة .  فيمكن للصين وامريكا السير معا بشكل متوازي وعدم السير في طريقين مغايرين والعمل على اضعاف واقصاء  احدهما الاّخر  ..

الجزء الرابع    :    

فيما الفترة ما بين عامي  2011 و 2015، ازدادت المشتريات العسكرية للشرق الأوسط بشكل كبير وملحوظ ، حيث بلغت 148.5 مليار دولار اي ما يمثل 25% من المشتريات العسكرية العالمية. والدول التي تحتل المراكز الثلاثة الأولى من حيث المبيعات العسكرية للشرق الاوسط هي الولايات  (53%) والمملكة المتحدة (9.6%) وروسيا (8.2%) . في هذه الفترة، بلغ إجمالي الصادرات العسكرية الصينية تجاه  الشرق الأوسط 423  مليون دولار فقط ، اي بنسبة لا تزيد 3% من اجمالي المبيعات العسكرية العالمية للشرق الاوسط . وفي الفترة نفسها، بلغ إجمالي المبيعات العسكرية الصينية الخارجية  8.447  مليار دولار ، يعني لم يتعد نصيب الشرق الاوسط منها الـ 5% لا أكثر ... في عهد ادارة أوباما،  انتهزت روسيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول التقليدية الكبرى الفرصة لتوسيع نفوذها  العسكري في الشرق الأوسط وتعزيز وجودها العسكري في منطقة الخليج. على سبيل المثال، هناك اكثر من 1200 مقاتل بريطاني في الشرق الأوسط يغطون القوات المسلحة الثلاث البرية والبحرية والجوية .. ففي عام 2015 تم تشييد مقر القيادة العامة للقوات البحرية  في البحرين ؛ وفي عام 2009 ، انشأت فرنسا قاعدة بحرية  لها في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي المرة الأولى التي تقيم فيها فرنسا قواعد عسكرية في الخارج منذ 50 عاما  ، ويتمركز فيها 700 جندي فرنسي .. .

 إن النقص في القدرة العسكرية هو نقطة الضعف في الاستراتيجية الصينية الشرق اوسطية ..  ففي السنوات الأخيرة، اصبح الوجود العسكري الصيني في الشرق الأوسط على  جدول اعمال اهتمامات المجتمع الدولي. من جهة ازداد تشاؤم الناس تجاه العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، ومن جهة أخرى أصبح الناس يثقون أكثر فأكثر بقدرة الصين. وأشار باحث أمريكي إلى أن الولايات المتحدة لديها القدرة على حماية أمن الطاقة في الشرق الأوسط، ولكن الصين دائما ما تنظر لامريكا نظرة المنافس ، وهذا يعتبر مشكلة كبيرة. في ظل العلاقات الغامضة و المعقدة  ، لا صداقة ولا عداوة ،  التي تسود العلاقات الصينية الامريكية  ، ظلت قدرة امريكا على ضرب وتحجيم الاقتصاد الصيني عن طريق الحصار البحري  مكان قلق دائم لدى الصين وكأنه سيف مسلط على رقبتها . في الحقيقة، هناك بعض العلماء الاستراتيجيين الامريكان الذين كانوا دائما ما يدعون الى كبح وحصار امدادات الطاقة للصين كخيار استراتيجي. وثمة خطر آخر، هو أن اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط بدأ بالانخفاض والتراجع ، مما يؤدي بكل تأكيد تراجع استثمارها الاستراتيجي في المنطقة .. في هذا الصدد أشار هاس إلى أنه مع تحقيق امريكا التدريجي للاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة ، سيقل معه تأثير الاضطرابات في  الشرق الاوسط على امريكا  ..  فيجب علينا أن ندرك بأن الاحتمالين المذكورين أعلاه سيبقيان قائمان كالغيمة الداكنة التي لا تغيب ..  في الحقيقة، ان احتمال قيام امريكا باغلاق ومحاصرة الممرات المائية لامدادات  الطاقة الصينية مستبعد  للغاية الا في حال اندلاع حرب شاملة بين البلدين .  فمن واقع الحالة الراهنة التي تعيشها العلاقات الصينية الاميركية ، فان مثل هذا الاحتمال ضعيف جدا ، الا اننا لا يمكن الاستبعاد الكلي  لوقوعه .. حتى ولو حدث ذلك ، يتعين على الصين نقل المواجهة مع الولايات المتحدة الى آسيا والمحيط الهادئ وليس في الشرق الأوسط لأن نفوذ الصين في آسيا والمحيط الهادئ يفوق بشكل ملحوظ على نفوذها في الشرق الأوسط. في المقابل، امريكا بالفعل تقوم باجراء تعديلات على استراتيجيتها العالمية ،لكنها لن تقوم بسحب ترتيباتها  في الشرق الأوسط في آن واحد.  لأنها لا تزال تتمتع بمصالح هامة في تلك المنطقة ، مثل مكافحة الإرهاب، أسعار النفط العالمية، أمن إسرائيل، إمدادات النفط للحلفاء وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى عناية ومتابعة الولايات المتحدة.

إن القوة العسكرية العالمية هي تجسيد طبيعي للدولة العظمى ،  الصين تعتبر دولة كبرى وليست بدولة عظمى ، ان بناء  وجود عسكري عالمي (عابر الحدود)  يفوق طاقة وقدرات الصين . فاذا نظرنا للوضع من حيث الحجم الاقتصادي ، فان الحجم الاقتصادي الصيني (الناتج المحلي الإجمالي) قد بلغ اكثر من نصف مثيله الأمريكي ،  والفارق بينهما ليس بكبير ، إلا أن مكانة  امريكا " الدولة العسكرية العالمية الكبرى  " لا تقوم او تعتمد على  حجم اقتصادها فقط، بل تقوم على الاسس الاقتصادية والعسكرية والسياسية معا ..  ففي عام 2012 بلغت النفقات العسكرية الاميركية 711 مليار دولار ، اي ما يمثل 4.7% من اجمالي الناتج المحلي الامريكي (GDP)  . في عامي 1991 و2004،  شكلت النفقات العسكرية التي استخدمتها امريكا لحماية  إنتاج النفط في منطقة الخليج لهذين العامين 9.5% و 12%  على التوالي من  اجمالي النفقات العسكرية.وتفيد التقديرات بأن النفقات العسكرية السنوية للقوات الاميركية المرابطة في منطقة الخليج تتراوح ما بين 60 الى 80  مليار دولار .. في المقابل، بلغت النفقات العسكرية الصينية 143 مليار دولار في عام 2012 والتي تمثل 2% من اجمالي الناتج المحلي الصيني ..  ان اجمالي النفقات العسكرية السنوية للصين تمثل نصف  النفقات السنوية للقوات الأمريكية المرابطة في منطقة الخليج. هذا بالاضافة الى ان الموضوع لا يقتصر فقط على مسألة النفقات العسكرية ، بل الاهم من ذلك  التأثير العالمي ونظام التحالف الدولي . تتكون الترتيبات العسكرية الأمريكية من شبكة تنتشر من المركز إلى  الدوائر المحيطة..  وفق احصاءات السنة المالية لعام 2012 ، فان 91%  من القوات الأمريكية و84 من قواعدها العسكرية  (من حيث المساحة) تتمركز داخل البلاد، فتنتشر من الداخل الى اسيا واوروبا..  ان القواعد العسكرية الاميركية الثلاث الأكبر خارج البلاد ، اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية ، تتمتع في  68.9% من اجمالي  القدرة العملية العسكرية الأمريكية خارج البلاد . تمتلك  الولايات المتحدة 546 منشآة عسكرية  منتشرة في  42 دولة ، منها 341  منشآة عسكرية مبعثرة في اليابان وألمانيا. ومن ثم تنطلق و تنتشر القوات الاميركية المرابطة في القواعد العسكرية الثلاثة الكبرى اّنقة الذكر الى الاماكن والمناطق الاخرى .. تتمتع الولايات المتحدة بـ 10 قواعد عسكرية في مملكة البحرين يتمركز فيها 2236 جنديا وهم يمثلون 1% من القوات الأمريكية المرابطة خارج البلاد... ففي حال اندلاع حرب في منطقة الشرق الاوسط ، تستطيع الولايات المتحدة تحريك قدرات قتالية من قواعدها العسكرية في ألمانيا وإيطاليا و تركيا، واليونان .  الجدير بالذكر أن الصين ليست بقوة عسكرية عالمية  ، وليس لها القدرة ولا النية او الرغبة  في مواجهة عسكرية عالمية  مع الولايات المتحدة.

إذا لم يكن هناك تواجد عسكري صيني معين في الشرق الأوسط، سيتضاءل  بالطبع الضمان الأساسي لمصالحها الاقتصادية في تلك  المنطقة . على سبيل المثال، عندما يخرج الوضع السياسي المحلي عن نطاق السيطرة ، ستصبح معالجة المشاكل المتمثلة في مكافحة الإرهاب وإخلاء الجاليات الصينية وحماية المهاجرين والحفاظ على المصالح الخارجية مشكلة كبيرة ، كما حدث للجالية الصينية في ليبيا عند اخلائها عام 2011. هناك من  يقول  "  اذا ما اردنا استخلاص التجارب في مجال  امن الطاقة الصيني في العقد الماضي ، فسنجد ضرورة ملحة  الى رفع قدراتنا في التدخل العسكري والسياسي اللازم لضمان مكانة الصين باعتبارها واحدة من أصحاب المصالح الاقتصادية. وفي هذا الصدد ، اقترح هاس على الحكومة الأمريكية " طريقة حكيمة " مفادها الابتعاد قليلا عن  امور الشرق الاوسط ، والبحث عن مصادر اخرى للطاقة في بقاع اخرى في الوقت الذي تعزز فيه  قدراتها على مكافحة  الارهاب  .. وبالنسبة للصين فمن الصعب عليها ترك منطقة الشرق الاوسط  نظرا لاعتماد الصين المفرط على الطاقة  ،  وصعوبة  ايجادها لمصادر بديلة  عن الشرق الاوسط ، فلا يوجد اماها خيارات اخرى سوى  تعزيز قدراتها  على مقاومة المخاطر. ليس لدى الصين قوة عسكرية للتدخل في صراعات المنطقة ، وليس لديها النية ولا الرغبة بالتدخل في الشؤون  لداخلية للشرق الاوسط  ، إلا أنها بحاجة ماسة لامتلاك قدرات كافية  لحماية مصالحها في الخارج ، والتعامل مع تهديدات القوى الفاعلة غير الحكومية .. فعلى المستوى الطويل يتوجب على الصين تعزيز قدراتها وانشطتها العسكرية في الشرق الاوسط ..

في الحقيقة ، انه من الطبيعي أن تقوم الصين بتعزيز مناسب لوجودها العسكري في الخارج بهدف مواجهة تهديدات الأمن غير التقليدية وحماية مصالحها في الخارج ، وإن مثل هذه الترتيبات لن تضر لا بالمصالح الوطنية لدول الشرق الأوسط ولن تبعث بالقلق  للولايات المتحدة أيضا. وأشار إريكسون،  الاستاذ المساعد في الكلية الحربية البحرية الأمريكية، إلى أن هذا النوع من التواجد  العسكري في الخارج  ، لن يكون  تأثيره طفيفا جدا على الامن الدولي  فحسب ،  بل يتمتع بمعاني ايجابية للغاية . ولهذا ، يتوجب على الصين ، في اطارتحديث الدفاع الوطني ،  العمل على  تعزيز قدراتها على الترتيبات العسكرية في الخارج  ،  في الوقت الذي تبحث فيه عن موطيء قددم موثوق لقواتها العسكرية في الخارج في  الميدان الدبلوماسي ، و بناء وجود أمني محكم  كـ  "  الفراشة تلامس سطح الماء" .. في عام 2005 ، وقعت الولايات المتحدة مع سنغافورة " اتفاق الإطارالاستراتيجي"، يسمح فيه للجيش الأمريكي بدخول سنغافورة بالتناوب واستخدام القواعد العسكرية السنغافورية البرية منها والبحرية  بغرض ادارة سفن الإمداد وصيانة الطائرات وسفن القوات الاميركية دون المساس  بالقضايا الحساسة والهامة كالسيادة والدفاع الوطني وغيرها . انها المرة الاولى التي تقدم فيها الولايات المتحدة على مثل هذا النمط في ترتيباتها العسكرية في الخارج والمتمثل في  "موطئ قدم بدلا من القواعد العسكرية ".. يختلف موطئ القدم عن القواعد العسكرية الخارجية اختلافا كبيرا،  فالاولى  تقتصر على القيام  باعمال الصيانة  والتزويد والخدمات اللوجستية للسفن العسكرية ، أما الثانية فيمكن القيام من خلالها بالانشطة والعمليات العسكرية  ضد اهداف في الدول المجاورة عند الحاجة .  ان ترتيبات مراكز التموين التي تسعى اليها الصين من خلال توقيع اتفاقات دبلوماسية مع الدول الصديقة تهدف الى التزود بالاغذية  والمياه العذبة والوقود للسفن الصينية الراسية ، وان مثل هذه الترتيبات ستكون اخف وقعا من الناحية العسكرية من  " موطيء القدم " الامريكي في سينغافورة .. ففي السنوات العشر القادمة ، ستبحث الصين عن مراكز تموين  في البلدان المطلة على المحيط الهندي ..  وقد تشمل الاتفاقات المعنية مع الدول المضيفة ترتيبات التزود بالوقود والإمدادات واستراحة الطاقم والصيانة الخفيفة ، ولن تشمل خدمات الصيانة والامدادات والتجهيزات العسكرية كتلك الترتيبات التي تتمتع بها امريكا ..  الأهم من ذلك، إن هذا النوع من الوجود العسكري  قد يساعد على اجراء التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الشرق الأوسط في المهام غير القتالية مثل مكافحة الإرهاب، ومكافحة القرصنة والمساعدات الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث وغيرها  ، ومن الناحية النظرية، يمكن لأي ميناء في  أي دولة تقديم مثل هذه الخدمات  ، المهم فقط موافقة الدولة المضيفة .. اما من الناحية العملية ، من أجل تجنب الوضع المعقد للصراع السياسي الدولي، يجب علينا أختيار بعض الدول التي يمكن الاعتماد عليها سياسيا،  والفائدة في مثل هذه الترتيبات يتمثل في  قلة التكلفة ، حيث لا حاجة لترتيبات تواجد عسكري كبير ولا يتطلب عقد احلاف  مع الدول المضيفة  ، وفي اللحظات الحاسمة يمكن ان تساعد تلك الترتيبات على  إخلاء الجاليات  الصينية وحماية المصالح الخارجية بالإضافة إلى توفير سلع عامة في مجال الأمن للمجتمع الدولي. في فبراير عام 2016 ، أعلنت وزارة الدفاع الصينية أن عملية بناء المرافق اللوجستية العسكرية في ميناء جيبوتي قد بدأت، وهذه العملية هي المحاولة الأولى بالنسبة للصين  لبناء وجود عسكري في الشرق الأوسط.

من الواضح ان هناك نقاط مشتركة  ونقاط اختلاف كبيرة  في المباديء التي تتعامل بها الصين مع شؤون الشرق الاوسط  ومثيلاتها  الدول الكبرى الاخرى بما فيها  امريكا واوروبا وروسيا ، كما وانها لا تتوافق تماما  مع مواقف الدول الكبيرة في المنطقة ، إن هذه الخصائص تقررها المصالح السياسية والاقتصادية الصينية  والميزات الواقعية للشرق الأوسط،  وتم استكشافها من خلال الممارسات العملية للدبلوماسية الصينية لسنوات عديدة ، ويمكن تسميتها باستراتيجية الشرق الأوسط ذات الخصائص الصينية. وقد سبق للسيد فو لي مين السفير الاميركي السابق في السعودية  ان علق قائلا بأن  خصائص الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط تتمثل  في " السلام والتجارة واقامة صداقات مخلصة مع جميع الدول"

最新资讯
阿尔及利亚 阿拉伯联合酋长国 阿曼 阿拉伯埃及共和国 巴勒斯坦 伊拉克共和国 索马里共和国 毛里塔尼亚伊斯兰共和国 科摩罗伊斯兰联邦共和国 也门共和国 阿拉伯叙利亚共和国 突尼斯共和国 苏丹共和国 沙特阿拉伯王国 摩洛哥王国 大阿拉伯利比亚人民社会主义民众国 黎巴嫩共和国 科威特 卡塔尔 吉布提共和国 巴林王国 约旦哈希姆王国